أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٩٤٩-٩٦٢)مصدر غير محدد١٠/٩٤٩ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب وابن مسعود: «السحت: الرشوة في الحكم، وثمن الخنزير والخمر ومهر البغي وعسب الفحل وأكل الربا وأموال الناس بالباطل؛ وسُمي سحتاً لأنه يسحت البركة ويذهب بها ويستأصل دين صاحبه وماله».
وعن ابن عباس ومجاهد والشعبي وقتادة في قوله: {فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ}: خيّر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بين أن يقضي بين أهل الذمة إذا تحاكموا إليه، أو يتركهم وشأنهم يترافعون إلى حكام ملتهم؛ وهذا التخيير كان خاصاً بأهل العهد والذمة؛ وذهب جماهير الفقهاء (كالشافعي وأحمد وأبي حنيفة) إلى أن الحاكم مخير إن شاء حكم وإن شاء أعرض، فإذا حكم لزمه أن يحكم بالعدل وحكم القرآن.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أَكَّالُونَ
صيغة مبالغة على وزن فعّال تفيد الشره والاستكثار من أكل الحرام.
لِلسُّحْتِ
السحت هو الحرام الخبيث المستقبح الذي يُسحت أهله ويستأصلهم؛ وقرئ {لِلسُّحُتِ} بضم الحاء وسكونها.
الْمُقْسِطِينَ
العادلين الذين يقيمون القسط ولا يجورون في أحكامهم.
سَمَّاعُونَ
خبر لمبتدأ محذوف تقديره هم، وللكذب متعلق بسماعون.
أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ
خبر ثانٍ مرفوع بالواو، وللسحت متعلق بأكالون.
فَإِن جَاءُوكَ
الفاء استئنافية، إن شرطية، جاءوك فعل الشرط.
فَاحْكُم بَيْنَهُم
الفاء رابطة، احكم فعل أمر وفاعله مستتر، وبينهم ظرف متعلق باحكم، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ
أو للتخيير، أعرض فعل أمر معطوف على احكم.
وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا
شرط وجوابه، ولن حرف نفي ونصب، يضروك مضارع منصوب بحذف النون والكاف مفعول وشيئاً مفعول مطلق نائب عن المصدر.
وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ
شرط وجوابه، وبالقسط متعلق باحكم.
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
جملة تعليلية استئنافية، المقسطين خبر إن منصوب بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إرساء استقلال القضاء الإسلامي وسيادته:
بيّنت الآية الكريمة الموقف السيادي للقضاء الإسلامي تجاه الأقليات وأهل الكتاب؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم والدولة المسلمة لا تُجبر أهل الذمة على التحاكم في خصوماتهم الداخلية، بل لهم الخيار، فإن جاؤوا طائعين كان القاضي المسلم بالخيار: إما أن يعرض عنهم إن رأى أن تحاكمهم مكر وطلب للرخص، وإما أن يقضي بينهم، ولكن إذا قضى كان القضاء بـ "القسط والعدل المطلق" لشريعة الإسلام لا بمحاباة ولا تحريف.
يدفع الإشكال: ذهب بعض السلف إلى أن التخيير في {أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} منسوخ بآية {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم}؛ ولكن حقق المحققون من أئمة الأصول والفقه -كالشافعي وابن جرير الطبري وابن كثير- أن الآيتين محكمتان ولا تعارض بينهما:
آية التخيير تتناول: "أصل قبول القضية والترافع"؛ فللحاكم المسلم أن يقبل النظر فيها أو يرفض ويردهم إلى محاكمهم الدينية.
والآية اللاحقة {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ} تتناول: "كيفية الحكم بعد قبول القضية"؛ فإذا اختار الحاكم أن ينظر فيها وقبلها، تعين عليه وجوباً قطعياً أن يحكم بما أنزل الله في القرآن دون سواها ولا يحل له أن يحكم بغير شرع الله؛ فانتفى التعارض واستقام الجمع الباهر بين الآيات.