أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٩٩٦-١٠٠٤)مصدر غير محدد١٠/٩٩٦ وابن كثير عن قتادة ومجاهد وابن زيد: {وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم}: أي أتبعنا على آثار أنبياء بني إسرائيل المذكورين في التوراة؛ بعثنا عيسى بن مريم مصدقاً بالتوراة ومحكماً لما فيها ومخففاً لبعض ما حُرّم عليهم من الآصار؛ وآتيناه الإنجيل كتاباً كريماً فيه هدى للقلوب ونور يكشف الشبهات وموعظة للمتقين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
قَفَّيْنَا
التقفية هي الإتباع؛ وأصلها مشتق من القفا، قفاه يقفوه إذا مشى في قفاه وتبعه خطوة بخطوة.
مُصَدِّقًا
شاهداً بالحق وموافقاً ومتمماً لأصول الشريعة السابقة.
مَوْعِظَةً
التذكير المقرون بالترغيب والترهيب الذي يرقق القلوب ويبعث على الامتثال.
وَقَفَّيْنَا
فعل ماض مبني على السكون ونا فاعل.
عَلَىٰ آثَارِهِم
متعلق بقفينا.
بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ
الباء للتعدية، عيسى مجرور بفتحة مقدرة، وابن مريم نعت ومضاف إليه.
مُصَدِّقًا
حال منصوبة بالفتحة من عيسى.
لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ
متعلق بمصدقاً، وبين ظرف متعلق بمحذوف صلة ما.
مِنَ التَّوْرَاةِ
متعلق بمحذوف حال من ما.
وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ
فعل وفاعل ومفعول أول ومفعول ثانٍ منصوب.
فِيهِ هُدًى وَنُورٌ
جملة اسمية في محل نصب حال من الإنجيل؛ فيه خبر مقدم وهدى مبتدأ مؤخر ونور معطوف.
وَمُصَدِّقًا
معطوف على هدى محلاً أو حال ثانية من الإنجيل.
وَهُدًى وَمَوْعِظَةً
معطوفان منصوبان.
لِّلْمُتَّقِينَ
متعلق بنعت لموعظة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
حلقة الوصل الرسالية الكبرى:
تدرج تاريخي وتشريعي باهر؛ فبعد أن بين شأن التوراة وحكم الأنبياء بها، عطف بذكر المرحلة الرسالية التالية وهي بعثة المسيح عيسى بن مريم عليه السلام وكتابه الإنجيل؛ مبيناً أن الإنجيل لم ينقض التوراة بل كان مصدقاً لها وشاهداً بحقها، وممهداً في الوقت عينه للرسالة الخاتمة المهيمنة؛ لتتصل حلقات الوحي في نسق إلهي بديع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
طبيعة العلاقة بين الإنجيل والتوراة:
يدفع الإشكال: اعترض بعض النصارى بأن عيسى ألغى التوراة والشريعة؛ فرد القرآن بالحقيقة الصادقة: إن الإنجيل نزل {مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ}، ومقرراً لأصولها التوحيدية والأخلاقية، كما قال عيسى بن مريم في سورة آل عمران: {وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ}، وكما ورد في الأناجيل نفسها بلسان المسيح: «ما جئتُ لأنقض الناموس والأنبياء، ما جئتُ لأنقض بل لأكمل»؛ فدعوى الانقطاع التام افتراء تاريخي على شريعة المسيح.
تكرار وصف {هُدًى وَنُورٌ} والتخصيص بـ {لِّلْمُتَّقِينَ}: التكرار لتوكيد عظمة الكتب السماوية؛ وتخصيص الموعظة بالمتقين {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} للدلالة على أن المنتفع الحقيقي بمواعظ الكتب هم أهل التقوى الذين خافت قلوبهم من الله وتفتحت بصيرتهم لقبول الحق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توقير رسل الله واليقين بأن شريعة عيسى عليه السلام كانت نوراً وموعظة في زمانها.