تفسير الآثار في جزاء الصدق ونيل الرضوان الإلهي الأكبر:
أخرج الطبري (ج ١١، ص ٢٣٣-٢٤٢)مصدر غير محدد١١/٢٣٣ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: «{قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ}: يعقب الله تعالى على جواب عيسى وتبرؤه وتفويضه، فيشهد له ولأهل الصدق بالنجاة والفوز؛ أي هذا يوم القيامة الذي ينجي الصادقين في توحيدهم وإيمانهم وعهودهم صدقُهم الذي ثبتوا عليه في دار الدنيا؛ فيجازيهم بالخلود في الجنات والرضوان الأكبر».
وروى البخاري في "صحيحه" (رقم ٦٥٤٩)مصدر غير محددحديث رقم ٦٥٤٩ ومسلم (رقم ٢٨٢٩)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٢٩ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك؛ فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعطِ أحداً من خلقك؟! فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟! فيقول: "أُحِلّ عليكم رِضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً"».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الصَّادِقِينَ
الذين صدقوا في إيمانهم ونياتهم وأقوالهم وأعمالهم ووفوا بعهودهم في الدنيا.
متعلق برضي، والجملة في محل نصب حال أو مستأنفة للبشارة العظمى.
وَرَضُوا عَنْهُ
معطوف على جملة رضي الله عنهم.
ذَٰلِكَ
مبتدأ.
الْفَوْزُ
خبر المبتدأ مرفوع بالضمة.
الْعَظِيمُ
نعت للفوز مرفوع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إعلان التتويج الرباني لأهل الصدق والوفاء بالعقود:
قمة الارتباط العضوي بأول السورة؛ السورة التي افتتحت بأعظم أمر تكليفي: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}، وتخللتها تفاصيل العقود الإيمانية والتشريعية والجنائية والقضائية، تُختتم هنا بالجزاء الأوفى على هذا الوفاء: {هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ}؛ فالصدق في الوفاء بالعقد مع الله في الدنيا هو طوق النجاة الأوحد في عرصات القيامة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق ثمرة الصدق ومنفعتها المشروطة بالدنيا:
بينت الآية أن الصدق النافع في القيامة هو "الصدق الذي وقع في دار الدنيا" من إيمان وعمل ووفاء؛ أما الصدق الذي يقع يوم القيامة فقط حين يعترف الكفار بكفرهم وبطلان أصنامهم كقولهم {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا}، فهذا صدق لا ينفع صاحبه قط؛ لأن القيامة دار جزاء وحساب لا دار تكليف واختيار؛ فالنفع خاص بالصادقين الذين صدقوا في دار الابتلاء.
تقديم المفعول {الصَّادِقِينَ} على الفاعل {صِدْقُهُمْ}: لبيان أن العناية الإلهية متوجهة إلى ذوات هؤلاء الصادقين لتكريمهم وإعلائهم في ذلك المحفل المهيب.
المقابلة الشريفة في {رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ}: كمال الرضوان المتبادل؛ رضوان الله عليهم بالقبول والجنة، ورضاهم عن ربهم بما أغدق عليهم من النعيم والرؤية لفضله وكرمه، ثم التتويج بأسلوب الحصر والتعظيم: {ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التزام الصدق المطلق مع الله ومع النفس ومع الخلق في سائر الأقوال والأفعال والعهود.
جعل الرضوان الإلهي الغاية القصوى التي تشمئز دونها كل غايات الدنيا الفانية.