قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص: {وَيَقُولُ} بالواو ورفع اللام على الاستئناف؛ وقرأ ابن عامر وأبو جعفر: {يَقُولُ} بغير واو على الاستئناف؛ وقرأ حمزة والكسائي وشعبة عن عاصم: {وَيَقُولَ} بالواو ونصب اللام عطفاً على {أَن يَأْتِيَ} في الآية السابقة؛ والمعنى: فعسى الله أن يأتي بالفتح وأن يقول المؤمنون تعجباً من حال المنافقين.
أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٤٠٩-٤١٧)مصدر غير محدد١٠/٤٠٩ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: لما فتح الله على نبيه صلى الله عليه وسلم وأظهر نفاق المنافقين وأخزاهم، تعجب المؤمنون من حالهم بعد أن كانوا يحلفون الأيمان المغلظة للمؤمنين: إنا معكم ومع دينكم؛ فقال المؤمنون متعجبين: {أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ}! ثم قال الله تعالى معقباً: {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ
أغلظ الأيمان وأوكدها وأشدها توثيقاً؛ والجهد الطاقة والمبالغة في الشيء.
حَبِطَتْ
بطلت وفسدت وذهبت هباءً منثوراً، وأصله من حَبِطت الدابة إذا أكلت حتى انتفخ بطنها فهلكت.
خَاسِرِينَ
خسروا الدنيا بفضيحتهم وزوال منزلتهم، وخسروا الآخرة بالعذاب الدائم.
وَيَقُولُ
الواو استئنافية، يقول مضارع مرفوع، والذين فاعل وجملة آمنوا صلة الموصول.
أَهَٰؤُلَاءِ
الهمزة للاستفهام التعجبي الإنكاري، ها للتنبيه، أولاء اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ.
الَّذِينَ
اسم موصول في محل رفع خبر المبتدأ.
أَقْسَمُوا بِاللَّهِ
جملة الصلة، والجار والمجرور متعلق بأقسموا.
جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ
مفعول مطلق منصوب بالفتحة مؤكد لمضمون أقسموا؛ أو نائب عن المفعول المطلق، وأيمانهم مضاف إليه.
إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ
إنّ واسمها، واللام المزحلقة، ومعكم ظرف متعلق بمحذوف خبر إنّ، والجملة جواب القسم لا محل لها.
حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ
جملة مستأنفة من كلام الله إخباراً عن مصيرهم، أو من مقول المؤمنين؛ حبطت فعل ماضٍ والتاء للتأنيث وأعمالهم فاعل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إعلان الفضيحة وسقوط أقنعة النفاق أمام الأمة:
تناسق بديع في عرض المشهد؛ فبعد أن أسرّ المنافقون مكرهم وتستروا بالأيمان الفاجرة، جاء النصر الإلهي فكشف خبيئتهم؛ فوقف المؤمنون في مقام العزة والظهور يتعجبون من هؤلاء الذين كانوا بالأمس يجتهدون في الحلف أنهم في صف المؤمنين؛ فانكشف كذبهم وبطلت أعمالهم وصاروا عبرة للتاريخ.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إحباط الأعمال وأثره العقدي:
تؤكد الآية قاعدة عقدية قطعية: وهي أن النفاق وموالاة الكفار ومحبة ظهورهم يحبط سائر الأعمال الصالحة الظاهرة؛ فلا ينفع المنافق صلاته ولا صيامه ولا جهده الظاهر إذا كان باطنه منطوياً على التولي لأعداء الله والشك في دينه؛ فالإيمان شرط لصحة العمل وقبوله.
الاستفهام الإنكاري التعجبي في {أَهَٰؤُلَاءِ}: التعبير باسم الإشارة للقريب الحاضر بعد الفضيحة استصغاراً لشأنهم وتحقيراً لمكانتهم بعد أن كانوا يتبجحون برعايتهم للحلفاء؛ ومجيء جملة {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} خبراً قاطعاً يقرع القلوب ويهوي بآمالهم إلى قاع الخيبة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاعتبار بمصارع المنافقين، وأن ستر النفاق لا يدوم، فإن الله لابد أن يفضح من بطن الكفر وأظهر الإيمان.
خطورة الحلف الكاذب واستسهال الأيمان المغلظة لتمرير الخيانات، وعاقبة ذلك الحبوط والخسران في الدارين.