تفسير الآثار في حصر وظيفة الرسول في التبليغ وشمول علم الله:
أخرج الطبري (ج ١١، ص ٨٠-٨٤)مصدر غير محدد١١/٨٠ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس وقتادة ومجاهد: «ليس على الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن يبلغكم رسالات ربه وأحكامه في الحلال والحرام، وقد بلّغ ونصح؛ وليس عليه إجباركم ولا حسابكم، بل الله وحده هو الذي يعلم كل ما تظهرونه بألسنتكم وجوارحكم وما تسرونه وتكتمونه في ضمائركم، وسيجازي كلاً بعمله».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الْبَلَاغُ
التوصيل الصادق والبيان الكافي.
تُبْدُونَ
تظهرون وتعلنون.
تَكْتُمُونَ
تخفون وتسرون.
مَّا
نافية مهملة أداة حصر مع إلا.
عَلَى الرَّسُولِ
جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
إِلَّا
أداة حصر.
الْبَلَاغُ
مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة.
وَاللَّهُ
الواو استئنافية، لفظ الجلالة مبتدأ.
يَعْلَمُ
مضارع وفاعله مستتر، والجملة خبر المبتدأ.
مَا
اسم موصول مفعول به.
تُبْدُونَ
صلة الموصول لا محل لها والواو فاعل.
وَمَا تَكْتُمُونَ
معطوف على ما تبدون.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إخلاء مسؤولية النبي صلى الله عليه وسلم بعد كمال البيان:
تأكيد حاسم لقطع الحجج؛ بعد أن أرسى قواعد التحليل والتحريم والأيمان والصيد والحرم، بيّن أن النبي قد أدى ما عليه بأمانة وكمال، فلا عذر لأحد بعد ذلك؛ ثم حذرهم بأن الله مطّلع على سرائرهم وعلانيتهم، فلا يظنن ظان أنه يمكن أن يخادع الشريعة بالحيل الباطنة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق وظيفة الرسالة ونفي الجبر:
تبين الآية أصلاً عقدياً عقلياً: رسالة الأنبياء قائمة على البلاغ المبين وإقامة الحجة، وليست قائمة على القهر والإلجاء؛ فالمكلف مختار مسؤول عن فعله؛ وإحاطة علم الله بما يبديه العبد ويكتمه برهان على كمال عدل الحساب والجزاء يوم القيامة.
أسلوب القصر والحصر بـ {مَّا... إِلَّا}: حصر قاطع لوظيفة الرسالة؛ وإبراز للتحذير الضمني البالغ: ما دام الرسول مبلغاً فقط، فالحساب والعقاب بيد الجبار العليم بما تخفون وتعلنون.
الطباق بين {تُبْدُونَ} و{تَكْتُمُونَ}: استيعاب وإحاطة بجميع حركات الإنسان الباطنة والظاهرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قيام الداعية بواجب البلاغ والنصيحة دون أن يحمل همّ هداية التوفيق التي يملكها الله وحده.
مراقبة الله في الخلوات والسرائر، واستشعار اطلاعه التام على ما يخفيه القلب من نيات وخبايا.