أخرج الطبري (ج ١١، ص ٢٠١-٢٠٧)مصدر غير محدد١١/٢٠١ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس وعمار بن ياسر ومجاهد:
{قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ}: استجاب الله دعاء رسوله عيسى ووعد بإنزالها؛ وقرأ ابن عامر وعاصم: {مُنَزِّلُهَا} بالتشديد؛ وقرأ الباقون: {مُنزِلُهَا} بالتخفيف، وكلاهما دال على التحقيق والإنجاز.
{فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ}: «فمن كفر بعد معاينة هذه الآية الكبرى والمائدة النازلة من السماء عياناً؛ {فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ}: عذاباً خاصاً بالغ الشدة والفظاعة لم أعذبه أحداً من أهل زمانهم؛ وهو المسخ إلى قردة وخنازير في الدنيا، وأسفل درك من النار في الآخرة؛ لأن كفر المعاند بعد المشاهدة الحسية أشنع وأغلظ من كفر غيره».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مُنَزِّلُهَا
اسم فاعل يفيد تحقيق الوقوع في المستقبل القريب.
بَعْدُ
ظرف زمان مبني على الضم لانقطاعه عن الإضافة لفظاً لا معنى (أي بعد نزولها).
لَّا أُعَذِّبُهُ
الهاء هنا عائدة على العذاب؛ أي عذاباً لا أعذب مثل ذلك العذاب أحداً من العالمين.
قَالَ اللَّهُ
ماضٍ والله فاعله.
إِنِّي
إن واسمها الياء.
مُنَزِّلُهَا
خبر إن مرفوع بالضمة وهو اسم فاعل مضاف لمفعوله (الهاء)، والجملة مقول القول.
عَلَيْكُمْ
متعلق بمنزلها.
فَمَن
الفاء للتفريع، من اسم شرط جازم مبتدأ.
يَكْفُرْ
مضارع مجزوم فعل الشرط والفاعل مستتر.
بَعْدُ
ظرف زمان مبني على الضم في محل نصب متعلق بيكفر.
مِنكُمْ
متعلق بمحذوف حال من فاعل يكفر.
فَإِنِّي
الفاء رابطة لجواب الشرط، إن واسمها الياء.
أُعَذِّبُهُ
مضارع مرفوع والفاعل مستتر والهاء مفعول به أول عائد على الكافر، والجملة خبر إن، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط؛ وفعل الشرط وجوابه خبر من.
عَذَابًا
مفعول مطلق منصوب بالفتحة.
لَّا أُعَذِّبُهُ
لا نافية، أعذبه مضارع والهاء مفعول مطلق نائب عن المصدر عائد على العذاب (أو مفعول به ثانٍ لأعذب).
أَحَدًا
مفعول به أول منصوب بالفتحة.
مِّنَ الْعَالَمِينَ
متعلق بمحذوف نعت لأحداً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سنة الله القاطعة في ربط الآيات العيانية بالعقوبات الاستئصالية:
إرساء قانون إلهي عظيم في سنن المعجزات؛ الشريعة تبين أن الآيات العظيمة المشهودة إذا استُجيبت ثم كفر بها أصحابها، لم يبقَ بعدها إمهال ولا تأخير، بل تعقبها العقوبة الاستئصالية الصارمة؛ ولهذا امتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن إجابة كفار قريش حين طلبوا تحويل الصفا ذهباً، رحمة بهم لئلا يهلكوا إن كفروا؛ فكان شرط إنزال المائدة محاطاً بأشد الوعيد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة التغليظ الاستثنائي في العذاب على من كفر بعد المائدة:
يدفع الإشكال: لماذا خُص هؤلاء بعذاب {لَّا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ} وفيهم من هو أشد كفراً كفرعون وإبليس؟!
والتحقيق الأصولي والعقلي:
الكفر بعد الرؤية الحسية للمائدة النازلة من السماء، والأكل من ثمارها وبركاتها، كفر عناد ومكابرة واستهانة لا يبقى معه أدنى شبهة أو عذر؛ فصار جرمهم أشد الجرائم قبحاً واستخفافاً بحرمة الآيات الإلهية؛ فاستحقوا عذاباً نوعياً فريداً في بشاعته وخزيه (وهو المسخ السريع والخزي الأبدي)؛ والجزاء من جنس العمل.
إضافة الهاء في {لَّا أُعَذِّبُهُ} إلى العذاب: براعة نحوية وبلاغية فائقة؛ فالضمير ينوب عن المصدر للدلالة على تفرد هذا النوع من العذاب بالشدة التي لا يماثلها عذاب أحد من العالمين في ذلك العصر.
التنكير في {عَذَابًا}: للتهويل والفظاعة التي تخرس الألسن وتخلع القلوب رعباً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شكر النعم والآيات الإلهية، والحذر الشديد من كفران النعم بعد استجابة الدعاء.
إدراك أن زيادة العلم والبراهين تزيد من حجم المسؤولية وعظم المؤاخذة عند التقصير والانحراف.