أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٤٨٣-٤٩٥)مصدر غير محدد١٠/٤٨٣ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة والسدي: «كان اليهود أكثر الناس أموالاً وثراءً، فلما عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبوه، أمسك الله عنهم الرزق وقتر عليهم وضيق معاشهم؛ فقال فنحاص بن عازوراء (رأس من رؤوس يهود قينقاع) وقومه: "يد الله مغلولة"! يعنون: بخيل ممسك قبض يده عنا بالرزق؛ فأنزل الله تعالى رداً عليهم: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ...}».
تفسير إثبات اليدين لله تعالى في معتقد أهل السنة والآثار النبوية:
أخرج البخاري في "صحيحه" (رقم ٧٤١١)مصدر غير محددحديث رقم ٧٤١١ ومسلم (رقم ٩٩٣)مصدر غير محددحديث رقم ٩٩٣ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يد الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار؛ أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماء والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض».
قال أئمة السلف (مالك والشافعي وأحمد والبخاري والدارمي وابن جرير وابن خزيمة وابن تيمية): نثبت لله تعالى يدين كريمتين تليقان بجلاله وعظمته، إثباتاً بلا تمثيل وتنزيهاً بلا تعطيل؛ ولا نؤول اليد بالنعمة أو القدرة؛ لأن اللفظ جاء بالتثنية الصريحة {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}، واللغة العربية لا تسوغ استعمال لفظ اليدين مثنى للدلالة على القدرة الواحدة أو النعمة المجردة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مَغْلُولَةٌ
الغل هو القيد والشد؛ واستعمل كناية عن البخل والإمساك، كقوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ}.
غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ
دعاء عليهم وإخبار بقدر الله فيهم بالبخل والذل والأسر والجبن.
مَبْسُوطَتَانِ
كناية عن كمال الجود والعطاء والسعة مع إثبات أصل الصفة الحقيقية بلا كيف.
أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ
أضرموا الفتن وهيجوا الجيوش لإشعال الحروب ضد المسلمين.
أَطْفَأَهَا اللَّهُ
خذلهم وأبطل كيدهم ورد مكرهم في نحورهم.
وَقَالَتِ الْيَهُودُ
فعل ماضٍ واليهود فاعل وحركت التاء بالكسر لالتقاء الساكنين.
يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ
يد مبتدأ، والله مضاف إليه، مغلولة خبر، والجملة مقول القول في محل نصب.
غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ
غلت ماضٍ مبني للمجهول والتاء للتأنيث، أيديهم نائب فاعل والجملة خبرية لفظاً إنشائية دعائية معنى، أو إخبار بمصيرهم.
وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا
معطوف على غلت، والواو نائب فاعل، وبما الباء سببية وما مصدرية؛ أي بسبب قولهم هذا.
بَلْ
حرف إضراب وإبطال لكلامهم.
يَدَاهُ
مبتدأ مرفوع بالألف لأنه مثنى والهاء مضاف إليه.
مَبْسُوطَتَانِ
خبر المبتدأ مرفوع بالألف لأنه مثنى.
يُنفِقُ
مضارع وفاعله مستتر، والجملة في محل نصب حال أو مستأنفة لبيان السخاء.
كَيْفَ يَشَاءُ
كيف اسم شرط أو استفهام في محل نصب حال، ويشاء مضارع مرفوع.
وَلَيَزِيدَنَّ
الواو عاطفة أو استئنافية، اللام واقعة في جواب قسم مقدر، يزيدن مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة.
ألقينا ماضٍ وفاعله، والظرف متعلق بألقينا والعداوة مفعول به والبغضاء معطوف، وإلى يوم القيامة متعلق بمحذوف حال.
كُلَّمَا
كل ظرف زمان متضمن معنى الشرط منصوب وما مصدرية ظرفية.
أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ
أوقدوا ماضٍ والواو فاعل وناراً مفعول به وللحرب متعلق بناراً أو بأوقدوا.
أَطْفَأَهَا اللَّهُ
جواب شرط كلما، أطفأها ماضٍ ومفعوله والله فاعله.
وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا
يسعون مضارع مرفوع والواو فاعل، وفي الأرض متعلق بيسعون، وفساداً مفعول لأجله أو حال.
وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
استئناف وتذييل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ذروة الجرأة اليهودية وتنزيه الذات الإلهية وبيان السنن الكونية في خذلانهم:
سياق مهيب يبلغ به كفر أهل الكتاب غايته؛ بعد أن بين خيانتهم واستهزاءهم وسكوت علمائهم عن السحت، كشف هنا عن تطاولهم على الله سبحانه ووصفه بالبخل والغل! فقابل القرآن افتراءهم بالدعاء عليهم واللعن، ثم قرر صفات الكمال الإلهي والجود المحيط، وأعقب ذلك ببيان سنن الله التي لا تتبدل فيهم: أن الحسد يورثهم مزيداً من الطغيان، وأن العداوة مضروبة بينهم، وأن نيران الحروب التي يوقدونها لابد أن يطفئها الله ويخزيهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق عقيدة أهل السنة في صفة اليدين لله والرد على المعطلة والمشبهة:
الآية الكريمة حجة قاطعة لأهل السنة؛ قال الإمام ابن خزيمة في "كتاب التوحيد" (ص ١٩٥)مصدر غير محدد١٩٥ وأبو الحسن الأشعري في "الإبانة":
لا يجوز تأويل اليدين بالقدرة؛ لأن القدرة صفة واحدة، ولا يقال "قدرتا الله مبسوطتان"؛ ولا يجوز تأويلهما بالنعمة؛ لأن نعم الله لا تحصى كما قال: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا}، فلا يعبر عن النعم التي لا تحصى بصيغة التثنية {يَدَاهُ}؛ فتعين أن لله يدين كريمتين حقيقيتين مبسوطتين بالعطاء والإنفاق؛ لا تشبهان أيدي المخلوقين؛ تنزيهاً لقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.
دحض شبهة تعارض قوله {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ} مع قوله في الآية ٥١ {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}:
يدفع الإشكال: كيف يكون بعضهم أولياء بعض، وهنا يلقي بينهم العداوة والبغضاء؟!
والتحقيق: هم متفقون ومتولون لبعضهم في "معاداة الإسلام والمسلمين" كحلف استراتيجي خارجي، ولكن في "داخلهم وباطن مجتمعاتهم" تأكلهم البغضاء والعداوة والفرقة والتناحر بين طوائفهم وأحزابهم كما قال تعالى: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ}؛ فبطل التعارض تماماً.
المشاكلة والمجاز الجزائي في {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ}: رداً على قولهم {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}؛ فعوقبوا بجنس كلمتهم الفاجرة؛ فصارت أيديهم مغلولة شحاً وبخلاً وجبناً وذلاً في الدنيا والأغلال في أعناقهم في الآخرة.
الاستعارة التمثيلية البديعة في {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ}: صور مؤامراتهم وتدبيرهم للحروب بالذي يوقد ناراً متأججة للإحراق والدمار، فيرسل الله بقدرته ومشيئته ما يطفئ لهيبها ويخمد سعيرها ويجعل تدبيرهم تدميراً عليهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
كمال تعظيم الله عز وجل وتنزيهه عن كل نقص، واليقين بجوده وعطائه وسعة خزائنه التي لا تنفد.
الاستبشار بوعد الله بأن مؤامرات الفساد وإشعال الحروب لن تدوم، وأن الله غالب على أمره وسيطفئ نيران المفسدين ويهزمهم.