موقف السلف والآثار في أخطر آية في مسؤولية العلماء والسكوت عن المنكر:
أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٤٧٦-٤٨٢)مصدر غير محدد١٠/٤٧٦ وابن أبي حاتم وابن كثير عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «ما في القرآن آية أشد توبيخاً وتقريعاً للعلماء من هذه الآية، ولا أخوف عندي منها: {لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}».
وروى الطبري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه خطب الناس فقال: «يا أيها الناس، إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي، وأخذهم الربا والسحت، وسكوت علمائهم وربانييهم عن نهيهم، فلما تمادوا في المعاصي ولم ينههم علماؤهم، عمهم الله بعقوبة؛ فأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم».
وعن قتادة ومجاهد والضحاك: ذم الله تعالى الرعاع والعوام على عمل المعصية، ثم ذم العلماء والأحبار على سكوتهم ومداهنتهم وتركهم النهي عن المنكر؛ فجعل عاقبة الساكت كعاقبة الفاعل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
لَوْلَا
حرف تحضيض وتوبيخ؛ والمراد به التقريع الشديد والإنكار عليهم لتركهم واجب النهي.
الرَّبَّانِيُّونَ
جمع رباني، وهو العالم الحكيم المربي للناس بصغار العلم قبل كباره، المنسوب إلى الرب ديانة وطاعة.
وَالْأَحْبَارُ
جمع حبر، وهو العالم المتسع في العلوم والمعارف الدينية.
يَصْنَعُونَ
الصنع أخص من العمل؛ فهو العمل المتقن الراسخ المكرر الذي يتأصل ويصبح مهارة وسجية.
لَوْلَا
حرف تحضيض وتوبيخ يتضمن الإنكار.
يَنْهَاهُمُ
مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الألف، والهاء مفعول به مقدم والميم للجمع.
الرَّبَّانِيُّونَ
فاعل مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
وَالْأَحْبَارُ
معطوف مرفوع بالضمة الظاهرة.
عَن قَوْلِهِمُ
متعلق بينهاهم، وقول مصدر مضاف إلى فاعله (الهاء والميم).
الْإِثْمَ
مفعول به للمصدر "قولهم" منصوب بالفتحة.
وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ
معطوف على قولهم الإثم، والسحت مفعول به لأكلهم.
لَبِئْسَ
اللام واقعة في جواب قسم مقدر، بئس فعل ماضٍ جامد للذم.
مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ
ما فاعل بئس، وجملة كانوا صلة، ويصنعون خبر كان، والمخصوص بالذم محذوف تقديره "صنيعهم هذا وهو ترك النهي عن المنكر والمداهنة".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تحميل القيادة العلمية والدينية وزر السقوط الحضاري:
إحكام تشريعي باهر؛ فبعد أن ذم العوام والجماهير في الآية السابقة على مقارفة المنكر {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، التفت مباشرة إلى النخبة والعلماء والأحبار فوبخهم على صمتهم وسكوتهم وممالأتهم لأهل الباطل؛ مبيناً أن هلاك الأمم إنما يقع حين يداهن أهل العلم ويسكتون عن الفساد طمعاً في دنيا أو خوفاً من سلطان؛ فسوّى سبحانه بين جريمة العاصي الفاعل وجريمة العالم الساكت.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة سقوط التكليف بالسكوت بحجة السلامة وتحقيق فقه الموازنات:
يدفع الإشكال: يتذرع بعض المنتسبين للعلم بالسكوت عن قول الإثم وأكل السحت بدعوى "درء المفاسد" و"الحكمة" والمجاملة؛ فقرعت هذه الآية أسماعهم بإنكار إلهي صارم: {لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ}؛ فدل على أن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة قطعية على العلماء؛ وسكوتهم ليس حكمة بل هو تواطؤ ومداهنة تفسد الدين وتستجلب الهلاك العام للأمة؛ فالساكت عن الحق شيطان أخرس كما أن الناطق بالباطل شيطان ناطق.
المغايرة البلاغية المعجزة بين {يَعْمَلُونَ} في حق العوام و{يَصْنَعُونَ} في حق العلماء:
دقة لغوية قرآنية تبهر العقول؛ قال في حق مرتكبي الإثم: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، وقال في حق العلماء الساكتين: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}؛ لأن "الصنع" عمل باجتهاد وتدبير وفكر وترتيب؛ فالعلماء رتبوا لسكوتهم بالتحايل والتأويل وتبرير المفاسد واصطناع الأعذار، فكان صنيعهم المدروس أخطر وأشنع من اندفاع العوام الغافلين بمجرد الشهوة!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحذير ورثة الأنبياء والعلماء والدعاة من الصمت عن منكرات الحكام والكبراء وأكل السحت، واستشعار الثقل الهائل للأمانة.
إدراك أن صلاح الأمة بصلاح علمائها وقادتها، وأن دمارها يبدأ من بيع الفتاوى وتبرير الفساد المالي والسياسي.