أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم ١٧٠٠)مصدر غير محددحديث رقم ١٧٠٠ وأحمد وأبو داود عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: مُرّ على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي مُحَمَّماً مجلوداً (مُسَوّد الوجه بالفحم مطافاً به)، فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟» قالوا: نعم، فدعا رجلاً من علمائهم فقال: «أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟» قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك؛ نجد الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا؛ فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه»، فأمر به فرُجم؛ فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ...} إلى قوله: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}.
وأخرج الطبري (ج ١٠، ص ٩٢٩-٩٤٨)مصدر غير محدد١٠/٩٢٩ عن ابن عباس: أن قريظة والنضير كانتا تتفاضلان في الديات؛ فإذا قتلت النضيرية قريظياً قتلوه، وإذا قتلت القريظية نضيرياً أدوا دية مضاعفة؛ فتحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم لبعض: إن حكم بالدية المخففة فاقبلوا وإن حكم بالقصاص فاحذروا!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ
يقعون فيه برغبة ونشاط واستباق متتابع، وفي تفيد الانغماس والاستقرار فيه.
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ
مبالغة في الاستماع والقبول للكذب وترويجه، واللام للتقوية؛ أو سماعون لأجل توليد الكذب.
مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ
أي بعد استقرار المعنى في موضعه الإلهي يبدلونه ويزيلونه.
فِتْنَتَهُ
ضلالته وهلاكه وخيبة مسعاه وطبعه على قلبه.
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ
منادى مبني على الضم، والرسول عطف بيان.
لَا يَحْزُنكَ
لا ناهية جازمة، يحزنك مضارع مجزوم والكاف مفعول به مقدم.
الَّذِينَ
اسم موصول فاعل مؤخر ليحزنك.
يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ
جملة الصلة لا محل لها.
مِنَ الَّذِينَ قَالُوا
متعلق بمحذوف حال من الواو في يسارعون؛ وهم المنافقون.
بِأَفْوَاهِهِمْ
متعلق بقالوا، وهو تأكيد لكون القول مجرد لفظ لا حقيقة له في الباطن.
وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ
جملة حالية من فاعل قالوا.
وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا
معطوف على من الذين قالوا، وهم اليهود.
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ
خبر لمبتدأ محذوف تقديره "هم سماعون"، أو بدل.
سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ
نعت أو خبر ثانٍ، وقوم مضاف إليه وآخرين نعت مجرور بالياء.
لَمْ يَأْتُوكَ
نعت لقوم.
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ
جملة في محل نصب حال من الضمير في سماعون.
وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ
من اسم شرط جازم مبتدأ، يرد مضارع مجزوم وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والله فاعل وفتنته مفعول به.
فَلَن تَمْلِكَ لَهُ
الفاء رابطة لجواب الشرط، تملك مضارع منصوب والفاعل مستتر، ولهم متعلق به، وشيئاً مفعول به، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ
مبتدأ وخبر، ولهم في الآخرة عذاب عظيم معطوف عليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تسلية قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم وكشف تآمر النفاق واليهودية:
براعة نظم معجزة؛ بعد أن أرسى قواعد الحدود الجنائية، واجه هنا محاولات التفلت والتلاعب بالقضاء الشرعي؛ فبدأ بتثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم ونهيه عن الحزن على مسارعة المنافقين واليهود في الكفر والغدر؛ كاشفاً خبيئة مكرهم: فهم لم يأتوا للتحاكم بحثاً عن الحق، بل طلباً للرخص واتباع الهوى؛ فإن وافق حكمك أهواءهم أخذوه، وإن خالفها حذروا منه ورفضوه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة إرادة الفتنة وعصمة العدل الإلهي {وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ}:
يدفع الإشكال: هذه الآية الكريمة عمدة لأهل السنة والجماعة في إثبات المشيئة الإلهية النافذة في الهداية والضلال؛ فبينت الآية أن طبع القلوب والضلال ليس ظلماً ابتداءً من الله، بل هو عقوبة عادلة لمن ملأ قلبه بالكذب والنفاق وتحريف الكلم واشتهاء الباطل؛ فلما اختاروا الكفر وأصروا على تزييف الحقائق، أضلهم الله بخذلانه ولم يُرد تطهير قلوبهم المنجسة بأوحال النفاق؛ جزاء وفاقاً لاختيارهم الفاسد.