أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٧٣٦-٧٤٦)مصدر غير محدد١٠/٧٣٦ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: الرجلان هما يوشع بن نون (فتى موسى وخليفته بعده) وكالب بن يوفنا (صهر موسى على أخته مريم)؛ وهما من النقباء الاثني عشر، ثبتا على الإيمان والتوكل ولم ينكلا كما نكل سائر النقباء؛ فقاما في بني إسرائيل يثبتانهم ويبصرانهم بالخطة العسكرية الإيمانية.
تفسير {مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ}:
القول الأول (وهو الراجح المروي عن ابن عباس ومجاهد): يخافون الله تعالى ويتقونه، فأنعم الله عليهما باليقين والشجاعة والتثبيت.
القول الثاني: يخافهم بنو إسرائيل لمهابتهما وعلو شأنهما.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَخَافُونَ
الخوف هنا خوف التقوى والمهابة من الله؛ فالذي يخاف ربه لا يخاف أحداً سواه.
ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ
باب المدينة أو باب الحصن والمضيق المؤدي إلى أرضهم.
غَالِبُونَ
منتصرون قاهرون بحكم وعد الله ومعيته.
قَالَ رَجُلَانِ
فعل ماض، ورجلان فاعل مرفوع بالألف لأنه مثنى.
مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ
متعلق بنعت لرجلان، وجملة يخافون صلة الموصول.
أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا
جملة فعلية نعت ثانٍ لرجلان، أو معترضة للثناء؛ أنعم فعل ماض، الله فاعل، وعليهما متعلق بأنعم.
ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ
جملة مقول القول؛ ادخلوا فعل أمر وفاعله، وعليهم متعلق بادخلوا، والباب مفعول به أو منصوب على نزع الخافض (إلى الباب).
فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ
الفاء عاطفة، إذا ظرفية شرطية، دخلتموه فعل وفاعل ومفعول به وجملة الشرط مضاف إليها.
فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ
الفاء رابطة لجواب الشرط، والجملة لا محل لها جواب شرط غير جازم؛ إن واسمها وخبرها المرفوع بالواو.
وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا
على الله متعلق بتوكلوا وقدم للحصر، الفاء عاطفة رابطة لشرط مقدر، وتوكلوا فعل أمر وفاعله.
إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ظهور فئة الصدق والثبات وسط ركام الهزيمة:
في قمة النكول والجبن الجماعي الذي أظهرته الأمة في الآية السابقة؛ انبعث صوت الإيمان القوي من هذين الرجلين الصادقين؛ ليقدما خطة النصر النفسية والميدانية: اقتحام الباب بجرأة واستبسال، واليقين بأن العدو أجوف ستنهار معنوياته بمجرد المباغتة، وربطا النصر بأصله الأعظم وهو التوكل على الله والإيمان الصادق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الحكمة العسكرية والنفسية في نصيحة {ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ}:
محاكمة استراتيجية وعسكرية باهرة؛ وضع الرجلان أيديهما على قانون الحروب:
حرب المعنويات والمباغتة: العدو الجبار وإن كان عظيم الجثة إلا أن قلبه يرتعد إذا بوغت في عقر داره واقتُحم عليه حصنه؛ فالمباغتة تنقل الرعب إلى قلوبهم وتسلخ منهم ثقة القوة.
التلازم بين "الأخذ بالأسباب" و"التوكل على الله": لم يقل الرجلان: اقعدوا وتوكلوا؛ بل أمرا بالفعل الحركي الشجاع {ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ} ثم قرناه بالاعتماد القلبي على مسبب الأسباب {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا}؛ وهذا هو جوهر التوكل الشرعي عند أهل السنة.
الاعتراض التكريمي البديع {أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا}: جملة معترضة تفيض بالثناء والتشريف لهذين البطلين؛ وبيان أن الشجاعة في مواطن الزحف نعمة إلهية وتوفيق رباني يخص الله به من يشاء؛ وتقديم الجار والمجرور في {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا} للحصر والقصر، أي لا تتوكلوا على كثرتكم وقوتكم بل عليه وحده.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قيمة القلة المؤمنة الثابتة في تثبيت الأمة في اللحظات التاريخية الحرجة؛ فلا يستوحش المصلح من قلة السالكين.
اقتران الإيمان بالتوكل والشجاعة، واليقين بأن الرعب سلاح يقذفه الله في قلوب الظالمين متى ما صدق المؤمنون في المواجهة.