أخرج الطبري (ج ٩، ص ٤٦١-٤٨٠)مصدر غير محدد٩/٤٦١ وابن أبي حاتم وابن إسحاق عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: كان الحُطَم بن هند البكري قد قدم المدينة وخلف خيله خارجها، فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم وأظهر رغبته في الإسلام ثم خرج، فمر بسرح المدينة وساق مواشي المسلمين ونهبها وانطلق بها إلى مكة؛ فلما كان العام القابل خرج حاجاً وقاد هدياً وقلّده، فرآه المسلمون وأرادوا الإيقاع به وقتله واسترداد أموالهم، فأنزل الله تعالى زاجراً لهم عن العدوان: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ}؛ صيانةً لحرمة البيت وشعائر الله من أن تنتهك بردود الأفعال الانتقامية.
تفسير الشعائر والقلائد:
روى الطبري عن ابن عباس: «شعائر الله: مناسك الحج ومعالمه وحدوده».
«والقلائد: ما يُقلد به الهدي في أعناقه من لحاء شجر الحرم أو غيره إشعاراً بأنه هدي مهدى إلى الكعبة فلا يُتعرض له».
الأمر بالتعاون على البر والتقوى: روى البخاري (رقم ٢٤٤٤)مصدر غير محددحديث رقم ٢٤٤٤ ومسلم (رقم ٢٥٨٤)مصدر غير محددحديث رقم ٢٥٨٤ عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً»، قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟ قال: «تأخذ فوق يديه وتمنعه من الظلم، فذلك نصرك إياه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والدلالات:
{شَعَائِرَ}: جمع شعيرة، وهي العلامة الدالة على طاعة الله ومناسك دينه؛ وإحلالها هو انتهاك حرمتها أو ترك تعظيمها.
{الْهَدْيَ}: ما يُهدى إلى الحرم من النعم تقرباً إلى الله تعالى.
{الْقَلَائِدَ}: جمع قلادة، وهي ما يعلق في عنق البعير أو الشاة من صوف أو لحاء شجر ليعلم الناس أنه هدي فلا يعترضوه.
{آمِّينَ}: قاصدين ومتوجهين إلى البيت الحرام.
{شَنَآنُ}: بفتح النون وسكونها، الشَّنَآن هو البغض الشديد والكراهية والعداوة.
{لَا يَجْرِمَنَّكُمْ}: لا يحملنكم ولا يكسبنكم؛ يقال: جَرَمَه يَجْرِمُه إذا حمله على الجريمة وكسبه الإثم.
{يَبْتَغُونَ فَضْلًا}: جملة في محل نصب حال من "آمّين"، وفضلاً مفعول به ليَبْتَغون، ورضواناً معطوف عليه.
{وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا}: إذا ظرف لما يُستقبل من الزمان متضمن معنى الشرط، حللتم فعل الشرط، الفاء رابطة، اصطادوا فعل أمر والأمر هنا للإباحة بعد الحظر.
{وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ}: لا ناهية، يجرم فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم، والكاف مفعول أول.
{أَن صَدُّوكُمْ}: أن وما بعدها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف (لأن صدوكم) أو مفعول لأجله.
{أَن تَعْتَدُوا}: أن وما في حيزها في تأويل مصدر مفعول به ثانٍ لـ يَجْرِمَنَّكُمْ؛ أي: لا يحملنكم بغض قوم لصدهم إياكم على الاعتداء والجور.
{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، وعلى البر متعلق بتعاونوا، والتقوى معطوف عليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
من الوفاء المجمل إلى تفصيل الحرمات والشعائر:
بعد أن أمر في الآية الأولى بالوفاء بالعقود إجمالاً؛ جاءت هذه الآية لتفصّل أعظم العهود والحرمات التي كانت سائدة في جزيرة العرب، فثبّت القرآن حرمة البيت الحرام ومناسكه والأشهر الحرم، ووجّه المسلمين المنتصرين إلى ضبط مشاعرهم؛ فنهاهم أن يدفعهم الحنق القديم على صدهم يوم الحديبية إلى انتهاك حرمات المشركين الذين يقصدون الحج؛ وأسس القاعدة الأخلاقية العالمية في التعاون على الخير والحق والتقوى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة نسخ حرمة آمّين البيت الحرام بآيات براءة:
يدفع الإشكال: استشكل بعض العلماء بقاء حكم {وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} مع قوله تعالى في براءة: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا}؛ وحرر الإمام الطبري (ج ٩، ص ٤٧٥)مصدر غير محدد٩/٤٧٥ وابن كثير والشاطبي الجمع والتحقيق:
إن الآية تضمنت حكماً دائماً وهو "حرمة الاعتداء على قاصدي البيت الحرام من أهل الإيمان والإسلام ومن لهم عهد وأمان".
وأما المشركون المحاربون فقد نُسخ تمكينهم من دخول الحرم بآية براءة ومنعوا من الحج بعد فتح مكة وعام تسع؛ فالنهي عن الاعتداء باقٍ في حق كل من أذن له الشرع في الحج ودخول الحرم، ولا يجوز قتله ولا سلب أمواله تشفياً لحزازات قديمة.
الصيغة القانونية الرائعة {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}: مقابلة بديعة حاصرة لكافة العلاقات الإنسانية والاجتماعية؛ فالبر يشمل كل ما يحبه الله من الخير والإحسان، والتقوى حماية المجتمع من سخط الله بالامتثال، والإثم الذنوب الخاصة، والعدوان التعدي على حقوق الآخرين؛ فاختصرت الآية فلسفة النظام الاجتماعي العادل في كلمات موجزة قاطعة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
كبح جماح الانتقام الذاتي ونصرة النفس عند القدرة، والتزام العدل المطلق حتى مع ألد الأعداء.
تفعيل مبدأ التكافل والتعاون الجماعي الإيجابي في كل مشروع خيري ونهضوي، ومقاطعة كل تحالف يؤدي إلى الفساد والظلم.