سبب النزول وسياق النهي عن موالاة المستهزئين بالدين:
أخرج ابن جرير الطبري (ج ١٠، ص ٤٣٦-٤٤٠)مصدر غير محدد١٠/٤٣٦ وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان رفاعة بن زيد بن التابوت وسويد بن الحارث قد أظهرا الإسلام ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يوادونهما، فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ...}».
وقرأ الجمهور: {وَالْكُفَّارَ} بالنصب عطفاً على {الَّذِينَ اتَّخَذُوا}؛ وقرأ أبو عمرو والكسائي: {وَالْكُفَّارِ} بالجر عطفاً على {الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ}، والمراد مشركو العرب وسائر أصناف الكفار.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
هُزُوًا
استخفافاً وسخرية، والهزء هو المزاح في موضع الجد وإظهار الاستهانة.
وَلَعِبًا
باطلاً وتلهياً لا يعتقدون حقيقته ولا يقيمون وزنه.
مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ
بيان للذين اتخذوا دينكم هزواً، وهم اليهود والنصارى.
وَالْكُفَّارَ
مشركون ووثنيون ودهريون.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
نداء إيماني للتحذير.
لَا تَتَّخِذُوا
لا ناهية، تتخذوا مضارع مجزوم بحذف النون والواو فاعل.
الَّذِينَ
مفعول به أول لتتخذوا.
اتَّخَذُوا
ماضٍ مبني على الضم والواو فاعل والجملة صلة الموصول.
دِينَكُمْ
مفعول به أول لاتخذوا.
هُزُوًا
مفعول به ثانٍ لاتخذوا منصوب بالفتحة.
وَلَعِبًا
معطوف منصوب.
مِّنَ الَّذِينَ
جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الواو في اتخذوا أو من اسم الموصول، أوتوا ماضٍ مبني للمجهول والواو نائب فاعل، والكتاب مفعول ثانٍ، ومن قبلكم متعلق بأوتوا.
وَالْكُفَّارَ
معطوف على اسم الموصول "الذين اتخذوا" منصوب بالفتحة؛ وعلى قراءة الجر معطوف على "الذين أوتوا الكتاب".
أَوْلِيَاءَ
مفعول به ثانٍ لتتخذوا منصوب بالفتحة وممنوع من الصرف.
وَاتَّقُوا اللَّهَ
أمر وفاعله ومفعوله.
إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
إن شرطية، كنتم فعل ماضٍ ناقص اسمها، مؤمنين خبرها منصوب بالياء، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فاتقوه ولا توالوهم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تأكيد العلة النفسية والأخلاقية للمقاطعة:
تكرار النهي هنا لم يأتِ لمجرد التكرار، بل علّل النهي بعلة شعورية صارخة تمس كرامة المؤمن وعزته؛ فكيف يوالي المؤمن من يسخر من أعز ما يملك وهو دينه وعقيدته وقبلته وشريعته؟! فالاستهزاء بالدين كفر بواح وخيانة عظمى توجب البراءة والمفاصلة التامة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكم من اتخذ الدين هزواً وحكم موالاته شرعاً وعقلاً:
والآية هنا تبرهن عقلياً على استحالة اجتماع الإيمان وموالاة المستهزئ؛ لأن موالاة من يهزأ بمقدساتك دلالة قطعية على هوان تلك المقدسات في قلبك؛ فالتذييل بقوله {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} حاسم في أن الإيمان الصادق يدفع صاحبه دفعاً إلى الغضب لله والبراءة ممن سخر من شعائره.
الجمع بين {هُزُوًا وَلَعِبًا}: الهزء يتعلق بالقول والاستخفاف باللسان، واللعب يتعلق بالفعل والانشغال بالباطل وتفريغ الشعائر من معانيها؛ فجمع بين تحريفهم القولي والعملي.
التعليق بالشرط {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}: استثارة للحمية الإيمانية وتهديد مبطن؛ أي إن كنتم صادقين في دعوى الإيمان فلا يمكن أن ترضوا بموالاة الساخرين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الغيرة على شعائر الإسلام وفرائضه، وعدم التهاون مع موجات السخرية والاستهزاء بالدين ورموزه.
مقاطعة البرامج والمنصات والتجمعات التي تتخذ أحكام الشريعة أو الحجاب أو الصلاة مادة للتندر والفكاهة الرخيصة.