سبب النزول وسياق ولاء المؤمنين وبراءة عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي:
أخرج الطبري في "جامع البيان" (ج ١٠، ص ٣٩٧-٤٠٠ برقم ١٢١٩١) وابن أبي حاتم وابن إسحاق عن عطية بن سعد وعروة بن الزبير والزهري: «لما وقعت غزوة أحد وأصاب المسلمين ما أصابهم، خاف ناس من المنافقين، فقال رجل من المسلمين: أما أنا فألحق بفلان اليهودي فآخذ منه أماناً فإنه ينفعني، وقال آخر: أما أنا فآلحق بفلان النصراني بالشام فآخذ منه أماناً؛ فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ...}».
وفي رواية ابن إسحاق عن الزهري: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله صلى الله عليه وسلم، تشبث بأمرهم عبد الله بن أبيّ بن سلول وقال: إني رجل أخاف الدوائر وموالي وحلفائي من اليهود؛ وجاء عبادة بن الصامت رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان له من حلفهم مثل الذي لعبد الله بن أبيّ، فتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم وولايتهم وقال: «يا رسول الله، أتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ إلى الله ورسوله من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم»، فأنزل الله في عبادة وعبد الله بن أبيّ هذه الآيات: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ} إلى قوله: {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}.
معنى الولاية المنهي عنها وحكم {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}:
قال ابن جرير الطبري (ج ١٠، ص ٣٩٨)مصدر غير محدد١٠/٣٩٨: «من تولاهم ونصرهم على المؤمنين ورضي بدينهم فهو من أهل دينهم وملتهم؛ فإن من والاهم لم يوالهم إلا وهو راضٍ بهم وبدينهم، ومن رضي دينهم فقد عادى ما خالفه وأسخط الله، وصار حكمه حكمهم في الخروج من ملة الإسلام».
وقال ابن كثير (ج ٣، ص ١٣١)مصدر غير محدد٣/١٣١: «نهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى الذين هم أعداء الإسلام وأهله، وقرر أن بعضهم أولياء بعض، ثم توعد من يخالف ذلك فقال: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أَوْلِيَاءَ
جمع وليّ، وهو النصير والمحب والقريب الذي يتولى النصرة والمعونة والمودة والموافاة في الباطن والظاهر.
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ
جملة تفيد حصر الولاية والاتحاد العضوي بينهم في معاداة الإسلام، وتوافقهم على محاربة أهل الإيمان وإن اختلفت أهواؤهم في الباطن.
فَإِنَّهُ مِنْهُمْ
الفاء رابطة لجواب الشرط، والجملة تفيد المماثلة واللحوق في الحكم والوصف بحسب درجة الولاية.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
يا حرف نداء، أيّ منادى مبني على الضم في محل نصب، والها للتنبيه، والذين اسم موصول بدل أو نعت، وجملة آمنوا صلة الموصول.
لَا تَتَّخِذُوا
لا ناهية جازمة، تتخذوا مضارع مجزوم بحذف النون، والواو فاعل.
الْيَهُودَ
مفعول به أول لتتخذوا منصوب بالفتحة.
وَالنَّصَارَىٰ
معطوف منصوب بفتحة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر.
أَوْلِيَاءَ
مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة غير منون لأنه ممنوع من الصرف على وزن أفعلاء.
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ
مبتدأ وخبر، والهاء مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة للتعليل أو في محل نصب حال.
وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ
الواو استئنافية، من اسم شرط جازم مبتدأ، يتولهم مضارع مجزوم بحذف حرف العلة (الألف) والفاعل مستتر والهاء مفعول به، ومنكم متعلق بمحذوف حال من فاعل يتولهم.
فَإِنَّهُ مِنْهُمْ
الفاء رابطة لجواب الشرط، إنّ حرف توكيد ونصب والهاء اسمها، ومنهم جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر إنّ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر اسم الشرط من.
إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
جملة تعليلية استئنافية، الظالمين مفعول به منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الولاية في سياق تشريعات العقود والحكم بما أنزل الله:
اتصال بديع وربط متين؛ بعد أن بيّن الله تعالى في الآيات السابقة (٤١ - ٥٠) فساد أهل الكتاب وتحريفهم للشريعة وتحاكمهم بالهوى وكفرهم بما أنزل الله، أعقب ذلك بالتحذير الجازم من الركون إليهم أو موالاتهم؛ إذ لا يستقيم لمؤمن يلتزم تحكيم كتاب الله أن يجعل أعداء هذا الكتاب أولياء وأنصاراً وبطانة وملاذاً؛ فالتبعية السياسية والموالاة الدينية لأهل الكتاب هدم مباشر لسيادة الشريعة والالتزام بعقد الإيمان الذي افتتحت به السورة {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحقيق مناط التكفير في {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} والتفريق بين الموالاة والمصانعة والبر الدنيوي:
يدفع الإشكال: تمسك بعض أهل الغلو بهذه الآية لتكفير كل من تعامل مع غير المسلمين، وقابلهم أهل التفريط فجعلوا الولاية مباحة؛ وحقق أئمة التحقيق (كابن تيمية في "مجموع الفتاوى" ج ٧، وابن القيم في "أحكام أهل الذمة"):
التولي الكلي (الكفر الأكبر الناقل عن الملة): وهو نصرة الكفار على المسلمين لأجل دينهم، ومحبة ظهور كفرهم وقهر الإسلام؛ فهذا الذي تنص عليه الآية {فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}؛ لأنه انسلاخ باطن من عقد الإيمان.
الموالاة الصغرى (المعصية والفسق دون الكفر): وهو مداهنتهم أو مصانعتهم أو إعانتهم لغرض دنيوي ومالي مع كراهية دينهم وعدم إرادة زوال الإسلام، كما في قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، حيث ناداه الله بوصف الإيمان في أول الممتحنة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} ولم يخرجه من الملة لأجل دنيا أصابها.
البر والإقساط المشروع: وهو المعاملة بالحسنى والعدل وصلة الرحم وتبادل التجارة المباحة مع غير المحاربين، المنصوص عليه في قوله تعالى: {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ... أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ}.
النداء بالإيمان وأثره في استنهاض العزة: تصدير النهي بالنداء بصفة الإيمان {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} تنبيه على أن مقتضى الإيمان ينافي موالاة أضداده؛ ثم التذييل بجملة {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} حصر إخباري يقطع أوهام من يظن أن أهل الكتاب يمكن أن يخلصوا في نصرة المسلم، فمهما تباينت مذاهبهم فهم يد واحدة ضد التوحيد الخالص.
التنكير في {أَوْلِيَاءَ} والتهديد الصارم في {فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}: حذف المفضل لدلالة التضمين، والضمير العائد في {فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} صريح في سلب صفة التميز الإسلامي عمن ارتمى في أحضان ولائهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير الولاء العقدي في قلب المؤمن، بحيث يكون الحب والبغض والنصرة لله ولرسوله والمؤمنين، لا للمصالح الضيقة أو الأحلاف المعادية.
الحذر من الركون إلى تحالفات دولية أو سياسية تلزم المسلم بالتخلي عن ثوابت شريعته أو التبعية لأعداء ملته.