تفسير الآثار في بكاء النجاشي ووفده عند سماع القرآن الكريم:
أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٦١٧-٦٢٥)مصدر غير محدد١٠/٦١٧ وابن أبي حاتم وابن إسحاق عن أم سلمة وابن عباس رضي الله عنهم: «لما قرأ جعفر بن أبي طالب على النجاشي صدراً من سورة مريم {كهيعص}، بكى النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: "إن هذا والذي جاء به موسى لَيخرج من مشكاة واحدة"؛ فأنزل الله فيهم: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ}».
وروى النسائي وغيره عن ابن عباس: نزلت في النجاشي وثلاثين رجلاً من قومه قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقرأ عليهم سورة يس فبكوا وأسلموا.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ
الفيض هو الامتلاء حتى يسيل ويتدفق على الجوانب؛ شبهت العين بنبع الماء الفوار الممتلئ بالدمع غزارة وصدقاً.
مِمَّا عَرَفُوا
الباء ومن سببيتان؛ أي بسبب معرفتهم بالحق وتطابقه مع ما بشرت به كتبهم.
مَعَ الشَّاهِدِينَ
الشاهدون هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين يشهدون للأنبياء بالبلاغ، أو الشهداء على وحدانية الله وصدق رسله.
وَإِذَا
الواو عاطفة، إذا ظرف لما يستقبل من الزمان شرطي.
سَمِعُوا
ماضٍ والواو فاعل، والجملة مضاف إليها إذا.
مَا
مفعول به مبني، وأنزل صلة الموصول، وإلى الرسول متعلق بأنزل.
تَرَىٰ
جواب شرط إذا لا محل له، مضارع والفاعل مستتر.
أَعْيُنَهُمْ
مفعول به منصوب والهاء مضاف إليه.
تَفِيضُ
مضارع مرفوع وفاعله مستتر، والجملة في محل نصب حال من أعينهم.
مِنَ الدَّمْعِ
من بيانية أو لابتداء الغاية، والدمع مجرور بمن؛ ويجوز أن يكون الدمع تمييزاً لـ تفيض مجروراً بمن، والأصل: تفيض دمعاً.
مِمَّا عَرَفُوا
من سببية وما موصولة أو مصدرية، وجملة عرفوا صلة، ومما متعلق بتفيض.
مِنَ الْحَقِّ
بيان لما عرفوا.
يَقُولُونَ
جملة حالية ثانية من فاعل سمعوا، يقولون مضارع وفاعله الواو.
رَبَّنَا
منادى مضاف بحرف نداء محذوف منصوب ونا مضاف إليه.
آمَنَّا
ماضٍ وفاعله، مقول القول.
فَاكْتُبْنَا
الفاء سببية، اكتبنا فعل دعاء ومسألة مبني على السكون والفاعل مستتر ونا مفعول به.
مَعَ الشَّاهِدِينَ
مع ظرف متعلق باكتبنا، والشاهدين مضاف إليه مجرور بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تصوير لحظة التلاقي المعجز بين الفطرة النقية والوحي الصادق:
مشهد وجداني مؤثر يذيب القلوب؛ بعد أن بيّن سبب قرب مودتهم بوجود القسيسين والرهبان المتواضعين، رسم هنا اللحظة الحاسمة التي تلقوا فيها كلام الله؛ فلم يقابلوه بالجدل ولا بالتكذيب ولا بالمكر كما فعلت اليهود، بل اهتزت أرواحهم، وفاضت عيونهم بالدموع الغزيرة اعترافاً بصدق الحق، وأعلنوا إيمانهم فوراً وتوسلوا إلى الله أن يجعلهم في زمرة الشاهدين؛ فاستحقوا التبجيل والخلود في دار النعيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق دلالة بكاء وفد الحبشة وبرهان صدق القرآن وإعجازه:
يدفع الإشكال: بكاء هؤلاء العلماء والأحبار برهان عقلي قطعي على صدق النبي صلى الله عليه وسلم وإعجاز القرآن؛ لأنهم قوم لم يكونوا يتكلمون العربية الفصحى كلغة أم، ولكن جلال المعنى، وتطابق النور النبوي مع ما عرفوه في البشارات الإنجيلية، حرك فيهم الفطرة الإنسانية فأفاض دموعهم؛ فالعالم المنصف إذا سمع الحق خضع له وبكى، بخلاف المعاند المتكبر.
الإعجاز البلاغي في {تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} دون "تفيض دمعاً":
جعل الأعين نفسها هي الفائضة؛ كأن العين كلها انقلبت دمعاً متدفقاً لكثرة البكاء، كما يقال "سال الوادي" مبالغة في امتلاء مجراه؛ ودخول "من" الاستغراقية لبيان أن الفيض مستوعب لكل قطرة دمع حركها خشوع القلب.
التصريح بالمعرفة في {مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ}: إشعار بأن إيمانهم لم يكن عاطفة عمياء، بل كان مؤسساً على "معرفة وبرهان سابقين" ميزوا بهما الحق من الباطل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
رقة القلب والخشوع والبكاء عند سماع آيات القرآن العظيم، واعتبار ذلك من علامات صحة الإيمان وعمق المعرفة بالله.
التضرع الدائم إلى الله بالثبات والانضمام إلى ركب الشاهدين بالحق المبلغين لرسالة التوحيد.