تفسير الآثار في قلق النفاق وسقوط مبررات عبد الله بن أبيّ:
أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٤٠١-٤٠٨)مصدر غير محدد١٠/٤٠١ وابن أبي حاتم عن الزهري وعطية العوفي والسدي: في قوله: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} يعني: عبد الله بن أبيّ بن سلول وأصحابه من المنافقين، كان مرضهم الشك والنفاق وضعف اليقين؛ {يُسَارِعُونَ فِيهِمْ}: يسارعون في مودتهم وموالاتهم؛ {يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ}: يقولون: نخشى أن تدور الدوائر فيغلب قريش واليهود محمداً وأصحابه، فتذهب أموالنا، فنحن نتخذ عندهم يداً تصيبنا بها منعة إن دار الدهر!
وعن قتادة ومجاهد والضحاك في قوله: {فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ}: «الفتح: فتح مكة، وقيل: نصر رسوله وفتح قرى اليهود كقريظة والنضير وخيبر؛ وأمر من عنده: إظهار نفاق المنافقين وأمر رسوله بقتلهم وفضيحتهم وإلزامهم الجزية؛ وعسى من الله واجبة متحققة الوقوع».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ
المرض هنا مرض الشك والنفاق والجبن وضعف الإيمان.
يُسَارِعُونَ فِيهِمْ
عُدي بـ "في" للدلالة على انغماسهم التام في أوساطهم ومودتهم واستباقهم لنيل رضاهم.
دَائِرَةٌ
نائبة من نوائب الدهر تدور بالسوء والهزيمة والفقر، والدائرة ما يحيط بالإنسان من المكاره.
فَعَسَى
عسى حرف ترجٍ وإنشاء رجاء، وإذا جاءت من الله تعالى فهي للتحقيق والوجوب.
بِالْفَتْحِ
النصر الحاسم وإعزاز الدين ودحر الشرك.
فَتَرَى
الفاء استئنافية أو عاطفة، ترى مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الألف، والفاعل مستتر تقديره أنت (الخطاب للنبي أو لكل من تتأتى منه الرؤية).
الَّذِينَ
اسم موصول مفعول به لترى (وهي رؤية بصرية أو علمية).
فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ
جار ومجرور خبر مقدم، ومرض مبتدأ مؤخر، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
يُسَارِعُونَ فِيهِمْ
مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل وفيهم متعلق بيسارعون، والجملة في محل نصب حال من الذين أو مفعول ثانٍ لترى إن كانت علمية.
الفاء عاطفة، يصبحوا مضارع ناقص معطوف على يأتي منصوب بحذف النون، والواو اسمها.
عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا
متعلق بنادمين، وما موصولة وجملة أسروا صلتها، وفي أنفسهم متعلق بأسروا.
نَادِمِينَ
خبر يصبح منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فضح المرتكزات النفسية والسياسية لأهل النفاق:
كشف إلهي دقيق لنفسية المنافقين في أعقاب النهي العام عن موالاة الكفار؛ بيّن سبحانه أن التردي في مستنقع الولاء للأعداء لا يصدر إلا عن قلوب معتلة بالشك؛ يعيش أصحابها هاجس الهزيمة المستمر وسوء الظن بالله، فيسارعون إلى إرضاء القوى المادية خوفاً من الدوائر، فقابل الله ظنونهم الخائفة بوعده القاطع بالفتح وإحباط تدبيرهم وفضيحة ما أسروه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفنيد ذرائع "الواقعية السياسية" المزعومة عند التنازل عن الثوابت:
تدفع الآية شبهة قديمة جديدة: وهي ادعاء "الضرورة" والمناورة السياسية والتحوط للدوائر لتبرير إعانة المحاربين؛ فأبطل القرآن هذا العذر، واعتبر تبرير عبد الله بن أبيّ {نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} ناتجاً عن مرض قلبي خالص وشك في قدرة الله ونصر دينه؛ فالمؤمن يأخذ بالأسباب المشروعة مع اليقين بنصر الله، بينما المنافق يستجدي الأعداء ويوالي الظالمين زاعماً الحكمة وبعد النظر!
التعبير بـ {يُسَارِعُونَ فِيهِمْ} دون "إليهم": إشارة بيانية بديعة؛ فالسرعة "في" تدل على أنهم انغمسوا في وسطهم فصاروا جزءاً من نسيجهم ومؤامراتهم، لا مجرد مقبلين عليهم.