تفسير الآثار في نقض بني إسرائيل للمواثيق وقتل الأنبياء:
أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٥٢٦-٥٣١)مصدر غير محدد١٠/٥٢٦ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: «يذكر الله تعالى ما أخذه على بني إسرائيل من العهود المؤكدة بطاعة الله ومتابعة رسله، فما وفوا بذلك، بل عارضوا أمر الله باتباع أهوائهم؛ فكلما جاءهم نبي بحكم يخالف أهواءهم كذبوا طائفة من الأنبياء (كعيسى ومحمد)، وقتلوا طائفة أخرى (كزكريا ويحيى وغيرهم من أنبياء بني إسرائيل)».
وروى ابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «كانت بنو إسرائيل إذا لم يعجبهم أمر نبيهم قتلوه، حتى إنهم قتلوا في يوم واحد سبعين نبياً، ثم قام سوق بقلهم في آخر النهار كأنهم لم يصنعوا شيئاً!».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مِيثَاقَ
العهد المغلظ المؤكد باليمين والوعيد.
لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُهُمْ
لا تميل إليه شهواتهم وأغراضهم الدنيوية الفاسدة.
يَقْتُلُونَ
عبر بالمضارع لاستحضار الصورة الشنيعة، وللدلالة على استمرار طبعهم الغادر حتى محاولة قتل خاتم الأنبياء بالسم والسحر.
لَقَدْ
اللام موطئة للقسم، قد حرف تحقيق.
أَخَذْنَا
ماضٍ وفاعله نا.
مِيثَاقَ
مفعول به منصوب، وبني مضاف إليه مجرور بالياء وإسرائيل مضاف إليه ثانٍ ممنوع من الصرف مجرور بالفتحة.
وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا
معطوف، ورسلاً مفعول به.
كُلَّمَا
كل ظرف متضمن معنى الشرط، وما مصدرية ظرفية.
جَاءَهُمْ رَسُولٌ
ماضٍ ومفعوله، ورسول فاعل، والجملة صلة ما المصدرية في محل جر مضاف إليه لكل.
الواو عاطفة، فريقاً مفعول به مقدم ليقتلون، ويقتلون مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة معطوفة على جواب الشرط.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إثبات الطبيعة المتمردة لبني إسرائيل عبر التاريخ:
ربط بديع بالواقع الحاضر؛ فبعد أن بين أنهم ليسوا على شيء حتى يقيموا التوراة والإنجيل، كشف تاريخهم المظلم مع الوحي والأنبياء؛ ليعلم النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون أن تكذيبهم لمحمد صلى الله عليه وسلم ومحاولات اغتياله ليست بدعاً في سلوكهم، بل هي ديدنهم المتوارث مع سائر الرسل كلما اصطدم الوحي بأهوائهم الرخيصة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق دلالة التعبير بالمضارع في {يَقْتُلُونَ} مع أن القتل وقع في الماضي:
يدفع الإشكال النحوي والبلاغي: لماذا قال {كَذَّبُوا} بالماضي وقال {يَقْتُلُونَ} بالمضارع؟
الجواب من وجهين:
استحضار الصورة الفظيعة: كأن مشهد قتل الأنبياء الشنيع ماثل أمام الأعين يُرى في الحاضر لفظاعته وبشاعته.
الدلالة على استمرار الإرادة والمحاولة: فهم لم يكتفوا بقتل أنبياء الماضي، بل استمروا على إرادة قتل الأنبياء حتى حاولوا قتل محمد صلى الله عليه وسلم بالسم في خيبر وبإلقاء الصخرة من فوق جدار بني النضير وبالسحر؛ فالقتل ديدنهم المستمر.
تقديم المفعول {فَرِيقًا} في الموضعين: يفيد الحصر والاهتمام؛ أي: لم يكن تكذيبهم وقتلهم عشوائياً، بل قسّموا الرسل وفق أهوائهم، فمن أمكنهم قتله قتلوه، ومن عجزوا عنه كذبوه وعادوه.
جعل الهوى حكماً على الوحي في {بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُهُمْ}: تصوير حسي قبيح لتحكيم الشهوة الفردية على التشريع الإلهي، وهو أصل كل ضلال وانحراف في البشرية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من اتباع الهوى في تلقي أحكام الدين وقبول ما وافق الرغبة ورد ما خالفها، فإن ذلك مسلك بني إسرائيل في نقض المواثيق.
تسلية الدعاة والمصلحين عند مواجهة الاضطهاد والقتل والمحاربة، فإن ذلك طريق الأنبياء والمرسلين.