أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٧١٣-٧٢٤)مصدر غير محدد١٠/٧١٣ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس وقتادة والكلبي: {الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ}: هي بيت المقدس، وقيل أرض الشام كلها، وقيل جبل طور سيناء وما حوله، وسُميت مقدسة لأنها مطهرة من الشرك ومقر الأنبياء والصالحين.
{الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}: أي قضاها ووعد بها أباكم إبراهيم وإسرائيل أن تكون مسكناً لذريتكم إن آمنوا وأطاعوا وجاهدوا؛ فكان الوعد بالكتابة مشروطاً بالإيمان والجهاد لا بالهبات المجردة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الْمُقَدَّسَةَ
المطهرة والمباركة، والقدس في لسان العرب هو الطهر والنقاء والبركة.
كَتَبَ
حكم وقضى ووعد في اللوح المحفوظ أو في أخباره الصادقة.
لَا تَرْتَدُّوا
الارتداد هو الرجوع والنكوص إلى الخلف.
عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ
جمع دُبُر وهو المؤخرة والظهر، والرجوع على الدبر كناية عن الفرار والجبن والتراجع عن الجهاد.
يَا قَوْمِ
نداء استعطافي مكرر.
ادْخُلُوا الْأَرْضَ
فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، والأرض مفعول به منصوب.
الْمُقَدَّسَةَ
نعت للأرض منصوب بالفتحة.
الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ
التي اسم موصول نعت ثانٍ، وجملة كتب الله صلة الموصول، ولكم متعلق بكتب.
وَلَا تَرْتَدُّوا
لا ناهية جازمة، ترتدوا مضارع مجزوم بحذف النون، والواو فاعل.
عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ
متعلق بترتدوا، والكاف مضاف إليه.
فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ
الفاء فاء السببية في جواب النهي، تنقلبوا مضارع منصوب بأن مضمرة وجوباً بعد فاء السببية وعلامة نصبه حذف النون؛ خاسرين حال منصوبة بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من التوطئة إلى التكليف الحاسم والتحذير من الخسران:
بعد أن ذكّرهم موسى بالنعم واستجاش مشاعرهم في الآية السابقة؛ أصدر الأمر العملي المباشر {ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ} وطمأنهم بأن الله قضى بها لهم؛ ثم حذرهم من التردد والنكوص {وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ} وبيّن العاقبة الحتمية للتراجع وهي الانقلاب بالخسران المبين في الدين والدنيا.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: إذا كان الله قد كتبها لهم، فلماذا عوقبوا بالتيه وحُرموها أربعين سنة؟:
يدفع الإشكال: حرر المحققون -كالرازي وابن تيمية في "منهاج السنة"- وجه التوفيق:
إن "الكتابة" هنا كتابة مشروطة بالشرع والأمر، أو كتابة مقدرة لجنس بني إسرائيل ونسلهم، وليست كتابة محتومة لهذا الجيل المعين المعاند؛ فكتبها الله لذرية ذلك الجيل وهم أبناؤهم الذين دخلوا مع يوشع بن نون.
إن الوعد الإلهي لا يُنال بالأماني والقعود، بل ببذل الأسباب والجهاد في سبيل الله؛ فلما ارتدوا على أدبارهم وتخلوا عن الأمر المشروط، حُرموا تلك الكتابة في حق ذواتهم عقوبةً على نكولهم وجبنهم.
الاستعارة التمثيلية في {وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ}: تصوير حسي للجبن والهزيمة النفسية بصورة المحارب الذي يولي دبره ويتقهقر للخلف تاركاً ميدان الشرف؛ والتعبير بـ {فَتَنقَلِبُوا} يدل على التحول التام من العزة الموعودة إلى هاوية الذل والخسران.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الشجاعة والإقدام في مواطن نصرة الحق، واليقين بأن التراجع أمام التحديات هو بداية الانهيار والخسارة.
الحذر من التعلق بالوعود الإلهية مع ترك العمل والتكاسل عن أداء الواجبات الشرعية.