وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
كشف المخفيات من التوراة والإنجيل:
أخرج النسائي في "الكبرى" (ج ٦، ص ٣٦١)مصدر غير محدد٦/٣٦١ والحاكم في "المستدرك" (ج ٢، ص ٤٠١)المستدرك على الصحيحينالحاكم النيسابوري٢/٤٠١ وصححه ووافقه الذهبي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب؛ قوله: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ}، فكان الرجم مما أخفوه».
وروى البخاري ومسلم في قصة تحكيم اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم في الزانيين من أشرافهم؛ فدعوا بالتوراة وقرؤوها فوضع القارئ يده على آية الرجم، فأمره عبد الله بن سلام أن يرفع يده فإذا آية الرجم تلوح، فافتضحوا وأمر برجمهما.
تفسير النور والكتاب المبين: قال قتادة والضحاك والزجاج: «النور: هو محمد صلى الله عليه وسلم الذي استنار به الخلق وأخرجهم من ظلمات الشرك، والكتاب المبين: هو القرآن الكريم المفصح عن الحق والأحكام».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تُخْفُونَ
الستر والكتمان للنصوص والأحكام التي تخالف أهواءهم.
وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ
يتجاوز عن فضح كثير من فضائحكم وتحريفاتكم التي لا فائدة تشريعية في إظهارها ستراً لكم ورحمة.
نُورٌ
ضياء ساطع يهتدي به السائر في الظلمات.
كِتَابٌ مُّبِينٌ
كتاب واضح الحجة، ومبيّن للشرائع والحلال والحرام وفاضح للباطل.
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ
منادى مضاف منصوب.
قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا
قد حرف تحقيق، جاء فعل ومفعول، ورسولنا فاعل ونا مضاف إليه.
متعلق بمحذوف حال من العائد المحذوف (تخفونه من الكتاب).
وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ
معطوف على يبين، وعن كثير متعلق بيعفو.
قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ
نور فاعل مرفوع بالضمة، ومن الله متعلق بحال مقدمة.
وَكِتَابٌ مُّبِينٌ
معطوف على نور، ومبين نعت مرفوع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
دعوة الرحمة والإنقاذ بعد فضح الخيانات:
بعد أن فضح الله قبائح اليهود والنصارى وخيانتهم للمواثيق؛ لم يغلق الباب في وجوههم، بل توجّه إليهم بنداء الشفقة والإنقاذ {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} مبيناً أن إرسال محمد صلى الله عليه وسلم ليس انتقاماً منهم، بل هو هداية وتصحيح لكتبهم المنحرفة، ورحمة تعفو وتتجاوز عما مضى لمن آمن وأصلح.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
برهان النبوة العقلي في إخبار النبي بالأسرار المكتومة في التوراة:
يدفع الإشكال: هذه الآية الكريمة حجة عقلية وإعجازية تاريخية قاطعة على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب ولم يجالس أحبارهم؛ فإخباره الدقيق بما تواطأ أحبارهم على كتمانه وإخفائه في زوايا أسفارهم (كآية الرجم، وصفته صلى الله عليه وسلم، وأحكام التحليل والتحريم السالفة) هو دليل قطعي على أن هذا القرآن وحي سماوي معجز يتنزل من عند الله علام الغيوب.
المقابلة بين {يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا} و{وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ}: أسلوب بياني رفيع يجمع بين إقامة الحجة وإظهار الرحمة؛ فإظهار الكثير لقطع الشبهة وإثبات الصدق، والعفو عن الكثير رفقاً بهم وعدم إحراجهم بفضح كل مخازيهم التي لا حاجة لتفصيلها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اللجوء إلى نور القرآن والسنة لحل المشكلات المعاصرة والتخلص من ظلمات الحيرة والشك.
الرحمة بالمدعوين والجمع في الخطاب الدعوي بين الوضوح في بيان الحق والتسامح في الهفوات غير الجوهرية.