أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٦٤٦-٦٥٦)مصدر غير محدد١٠/٦٤٦ وابن كثير عن قتادة ومجاهد والربيع بن أنس والسدي: كما أخذ الله الميثاق على اليهود أخذ الميثاق على الذين زعموا أنهم أتباع المسيح وأنصار دينه (النصارى) بأن يوحدوا الله ولا يشركوا به شيئاً ويتبعوا الإنجيل ويصدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فنبذوا ميثاق الله ونسوا حظاً من توحيده فابتدعوا التثليث والرهبانية وادعوا ألوهية المسيح؛ فعاقبهم الله بإلقاء العداوة والبغضاء المستحكمة بين طوائفهم ومذاهبهم (كاليعقوبية والنسطورية والملكانية والكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس) لا تجتمع قلوبهم ولا تنتهي حروبهم إلى قيام الساعة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
نَصَارَىٰ
جمع نصران ونصرانة، قيل سُموا بذلك لتناصرهم فيما بينهم، أو نسبة إلى قرية الناصرة التي نشأ فيها عيسى عليه السلام.
فَأَغْرَيْنَا
الإغراء في لسان العرب: الإلصاق والإلزام بالفعل والمداومة عليه والتحريش؛ وأصله من الغِراء الذي يُلصق به الشيء فلا ينفصل؛ أي ألصقنا بهم العداوة إلصاقاً حتمياً لا فكاك لهم منه.
الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ
العداوة في الأفعال والحروب والاعتداء الظاهر، والبغضاء في النفوس والقلوب من الحقد والكراهية الباطنة.
وَمِنَ الَّذِينَ
الواو عاطفة، من الذين جار ومجرور متعلق بأخذنا، والذين اسم موصول في محل جر.
أغرينا فعل وفاعل، بينهم ظرف مكان، العداوة مفعول به منصوب، والبغضاء معطوف عليه.
إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ
جار ومجرور متعلق بأغرينا مفيد لاستمرار الصراع.
وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ
سوف للوعيد، ينبئهم مضارع مرفوع والفاعل اسم الجلالة وهم مفعول أول.
بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ
متعلق بينبئهم، والباء للصلة، وصنع مبالغة في العمل المستقر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحاطة الجزاء الإلهي بطوائف أهل الكتاب:
لما بيّن مصير بني إسرائيل من اليهود في الآية السابقة؛ ثنى بمصير النصارى في هذه الآية؛ ليعلم الناس أن سنة الله واحدة لا تحابي أحداً؛ فمن نكث الميثاق ونسي وحي الله حقت عليه العقوبة، وعقوبة النصارى تمثلت في التناحر المذهبي والحروب الدينية المستمرة التي شهد التاريخ العالمي أهوالها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دقة التعبير القرآني في {قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ}:
يدفع الإشكال: نكتة بيانية بالغة أشار إليها ابن تيمية في "الجواب الصحيح" والقرطبي: لم يقل الله تعالى "ومن النصارى"، بل قال {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ}؛ تنبيهاً على أن نصرانيتهم الحالية ليست ديناً منزلاً من عند الله، بل هي مجرد "دعوى لسانية" ولقب أطلقوه على أنفسهم وزعموا أنهم أنصار الله؛ فكشف القرآن انقطاع صلتهم بحقيقة شريعة المسيح عليه السلام التي جاءت بالتوحيد الخالص ونبذ الشرك.
الاستعارة التعبيرية الباهرة في لفظ {فَأَغْرَيْنَا}: تصوير حسي بديع للعداوة المستحكمة كأنها مادة لاصقة دمجت في طبائعهم وتاريخهم؛ فلا تكاد تطفأ نيران حرب بينهم إلا اشتعلت أخرى؛ والختام بـ {وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} وعيد هائل بيوم الجزاء حيث تكشف كل الجرائم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من نسيان العمل بالقرآن والسنة، فإن التخلي عن الوحي هو السبب الجذري لتفرق الأمة وتنازعها وتسليط بأسها بينها.
الاعتزاز بنعمة الأخوة الإيمانية في الإسلام، والسعي الدائم لإصلاح ذات البين ومنع بذور الشقاق المذهبي.