أخرج ابن جرير الطبري (ج ١٠، ص ٥١٣-٥١٨)مصدر غير محدد١٠/٥١٣ وابن أبي حاتم وابن إسحاق عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «جاء رافع بن حارثة وسلام بن مشكم ومالك بن الصيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا من التوراة وتشهد أنها حق من الله؟ قال: بلى، ولكنكم أحدثتم فيها وكتمتم ما فيها مما أُخذ عليكم الميثاق به، فأنكرتم ما جئتكم به؛ قالوا: فإنا نأخذ بما في أيدينا، فإنا على الهدى والحق ولا نؤمن بك ولا نتبعك؛ فأنزل الله تعالى فيهم: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ...}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ
نفي كلي لكل اعتداد بديانتهم أو ادعاء للهدى؛ فـ "شيء" نكرة في سياق النفي تفيد سلب أي اعتبار ديني أو نجاة أخروية؛ أي لستم على دين معتبر ولا حجة مقبولة.
فَلَا تَأْسَ
لا تحزن؛ والأسى شدة الحزن والغم على فوات المطلوب.
قُلْ
فعل أمر.
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ
منادى مضاف.
لَسْتُمْ
ليس فعل ماضٍ ناقص ناسخ والتاء اسمه والميم للجمع.
عَلَىٰ شَيْءٍ
جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لستم؛ وشيء نكرة تعم كل شيء يعتد به.
حَتَّىٰ
حرف غاية وجر ونصب.
تُقِيمُوا
مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى وعلامة نصبه حذف النون والواو فاعل.
التَّوْرَاةَ
مفعول به منصوب بفتحة مقدرة.
وَالْإِنجِيلَ
معطوف منصوب.
وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم
معطوف وما موصولة، وأنزل صلة، وإليكم متعلق بأنزل.
مِّن رَّبِّكُمْ
متعلق بمحذوف حال من الضمير في أنزل.
وَلَيَزِيدَنَّ
الواو استئنافية، اللام واقعة في جواب قسم مقدر، يزيدن مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة.
كَثِيرًا
مفعول به أول، {مِّنْهُم}: نعت لكثيراً.
مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ
ما موصولة فاعل ليزيدن، وأنزل صلتها وإليك متعلق بأنزل.
مِن رَّبِّكَ
متعلق بأنزل.
طُغْيَانًا
مفعول به ثانٍ منصوب، {وَكُفْرًا}: معطوف منصوب.
فَلَا تَأْسَ
الفاء استئنافية، لا ناهية جازمة، تأسَ مضارع مجزوم بحذف حرف العلة (الألف) والفاعل مستتر.
عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ
متعلق بتأس، والكافرين نعت مجرور بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إبطال الشرعية الدينية المدعاة لأهل الكتاب عند رد الإسلام:
اتصال بالغ القوة بما قبله؛ فبعد أن أمره بالتبليغ المطلق وعصمه من الناس، أمره بمواجهة أهل الكتاب بهذه الكلمة الفاصلة التي تسقط غرورهم الكهنوتي؛ فبين لهم أن كل تفاخرهم بالتوراة والإنجيل هباء لا وزن له عند الله ما لم يتبعوا القرآن ويقيموا أصول كتبهم بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم؛ ثم سلاه عن كفرهم وطغيانهم ونهى قلبه عن الحزن عليهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق دلالة {لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ} وتفنيد دعاوى النجاة خارج الإسلام:
تقطع الآية شأفة الشبهة التي يروجها التعدديون الحداثيون في زعمهم أن التوراة والإنجيل كافيان للنجاة دون الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ فالقرآن حكم عليهم حكماً صريحاً: {لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ}، أي دينكم باطل، وعملكم مردود، وكتبكم مهجورة محرفة، حتى تقيموا ما فيها من الإيمان بالقرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم؛ فإذا عاندتم فلستم على شيء من الهدى.
التنكير التحقيري في {عَلَىٰ شَيْءٍ}: سلب مطلق لكل قيمة؛ فكأن وجود دينهم كعدمه، وعبادتهم كالعدم، ما داموا جاحدين بنبوة خاتم المرسلين.
النهي المؤكد عن الحزن في {فَلَا تَأْسَ}: تفريغ لقلب النبي صلى الله عليه وسلم والدعاة من بعده من الحزن والهمّ على إعراض المعاندين، وتسلية بالغة بأن كفرهم وطغيانهم صادر عن حسد وعناد ذاتي لا عن تقصير في البلاغ.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الصدع بالحق في مواجهة أهل الكتاب والملاحدة، وإعلان بطلان كل منهج يخالف القرآن الكريم دون مجاملة على حساب العقيدة.
التحرر من الحزن والهم عند استكبار الجاحدين وازدياد طغيانهم، والاطمئنان إلى عدل الله وسنته في خذلان الكافرين.