أخرج النسائي في "السنن الكبرى" (رقم ١١١١٦)مصدر غير محددحديث رقم ١١١١٦ والحاكم (ج ٢، ص ٣١٣ وصححه ووافقه الذهبي) وابن جرير الطبري (ج ١٠، ص ٦٠٥-٦١٦)مصدر غير محدد١٠/٦٠٥ وابن أبي حاتم عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير: «نزلت هذه الآيات في النجاشي أصحمة ملك الحبشة وأصحابه وقسيسي بلاده؛ لما هاجر إليهم جعفر بن أبي طالب والمؤمنون، وقرأ عليهم سورة مريم، فبكوا حتى أخضلوا لحاهم، وشهدوا أن هذا هو النور الذي جاء به موسى وعيسى وآمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ثم أرسل النجاشي وفداً من ثلاثين وثلاثين رجلاً من علمائهم إلى المدينة فلما سمعوا القرآن بكوا وأسلموا؛ فأنزل الله فيهم: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ...}».
تفسير القسيسين والرهبان:
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: «القسيسون: علماؤهم وخطباؤهم وأئمة صلواتهم؛ والرهبان: أصحاب الصوامع المنقطعون للعبادة والزهد؛ وخلوهم من الكبر جعل قلوبهم رقيقة قابلة للحق».
جمع قِسّ وقِسّيس، وهو العالم الديني المتبحر بالكتب النصرانية.
وَرُهْبَانًا
جمع راهب، وهو المنقطع في صومعته المتعبد الخائف من الله، من الرهبة وهي الخوف.
لَا يَسْتَكْبِرُونَ
متواضعون للحق لا يمنعهم الكبر من الانقياد له إذا استبان.
لَتَجِدَنَّ
اللام واقعة في جواب قسم مقدر، تجدن مضارع مبني على الفتح في محل رفع والفاعل مستتر تقديره أنت.
أَشَدَّ
مفعول به أول لتجدن منصوب بالفتحة، والناس مضاف إليه.
عَدَاوَةً
تمييز منصوب بالفتحة.
لِّلَّذِينَ آمَنُوا
متعلق بعداوة.
الْيَهُودَ
مفعول به ثانٍ لتجدن مؤخر عن الأول منصوب بالفتحة.
وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا
معطوف منصوب وجملة أشركوا صلة.
وَلَتَجِدَنَّ
معطوف بالقسم ونون التوكيد.
أَقْرَبَهُم
مفعول به أول منصوب، والهاء مضاف إليه.
مَّوَدَّةً
تمييز منصوب.
لِّلَّذِينَ آمَنُوا
متعلق بمودة.
الَّذِينَ
اسم موصول مفعول به ثانٍ لتجدن في محل نصب.
قَالُوا
صلة الموصول.
إِنَّا نَصَارَىٰ
مقول القول في محل نصب، نصارى خبر إن مرفوع بضمة مقدرة.
ذَٰلِكَ
مبتدأ.
بِأَنَّ
الباء سببية، أنّ حرف توكيد ونصب.
مِنْهُمْ
متعلق بمحذوف خبر أنّ مقدم.
قِسِّيسِينَ
اسم أنّ مؤخر منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
وَرُهْبَانًا
معطوف منصوب بالفتحة.
وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ
معطوف، أنّ واسمها وخبرها، والمصادر المؤولة في محل جر بالباء متعلقة بمحذوف خبر اسم الإشارة ذلك.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقارنة التحليلية الباهرة بين نفسيات أهل الأرض تجاه دعوة التوحيد:
خريطة نفسية وعقدية معجزة كشفتها الآية؛ فبعد أن بين شنائع اليهود وكفر النصارى التثليثي، التفت إلى الجانب السلوكي والعلائقي؛ فبيّن أن أشد الناس بغضاً واستكباراً وتآمراً على المسلمين هم اليهود وعبدة الأوثان لاجتماع الحسد والكبر وغلظة القلوب فيهم؛ بينما نصارى الحبشة ومن شابههم من أهل التواضع والزهد أقرب مودة، لأن وجود العلم والزهد رقق قلوبهم وهيأها لقبول نور القرآن والشهادة بالحق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحقيق دلالة الآية وعدم تعارضها مع آيات تكفير النصارى وقتالهم:
يدفع الإشكال: يستدل بعض المفرطين بهذه الآية على مدح النصارى مطلقاً والزعم بأن مودتهم عامة في كل نصراني!
والتحقيق العلمي الأصولي الصارم (كما قرره الطبري وابن كثير وابن تيمية):
السياق يفسر بعضه بعضاً: الآيات اللاحقة تقيد هذا الاقتراب بالمودة بمن سمع القرآن فآمن به وأسلم وبكى خشوعاً {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا}؛ فالمدح لمن كان فيه استعداد لقبول الإسلام والتواضع للحق كالنجاشي وأصحابه.
التفاضل النسبي في العداوة: الآية قررت أن اليهود والمشركين "أشد عداوة"، فكان النصارى "أقرب مودة" بالمقارنة مع شراسة اليهود وغلظتهم؛ لما في شريعة الإنجيل أصلاً من الرقة والزهد بخلاف غلظة اليهود وعتوهم؛ ولم تعنِ الآية أبداً إباحة التولي والمحبة الدينية لمن أصر على كفره وتثليثه.
التوكيد بالقسم ونون التوكيد في الموضعين {لَتَجِدَنَّ... وَلَتَجِدَنَّ}: تقرير لحقيقة واقعية كونية وسلوكية ثابتة في التاريخ الإنساني يراها كل متأمل في مسارات الصراع.
التعليل الباهر في {ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ}: تأسيس لقاعدة تربوية: العلم المقرون بالزهد والتجرد من الكبر هو أعظم مهيئ لقبول الحق والانقياد له، بينما الكبر وحب الرياسة مانع قطعي من الهداية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
فتح قنوات الحوار والدعوة مع المتواضعين والزهاد من المنصفين، واستثمار المشتركات الفطرية لتبليغ نور الإسلام.
الحذر التام من كيد اليهود والمشركين ومخططاتهم المستمرة في معاداة أهل الإسلام واستئصالهم.