إعلان يوسف عليه السلام العفو المطلق والصفح الجميل:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 245)مصدر غير محدد١٦/٢٤٥ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك وابن إسحاق والسدي: لما سمع يوسف اعتراف إخوته الصادق وندمهم، بادر فوراً دون إبطاء ولا مماطلة إلى إزالة وحشتهم وتطييب خواطرهم فقال مقالته الخالدة: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}.
تفسير التثريب في لسان العرب والحديث:
قال ابن كثير (4/ 420)مصدر غير محدد٤/٤٢٠: «التثريب: هو التأنيب والتوبيخ والتقريع والاستقصاء في تعداد الذنوب واللوم عليها؛ يقال: ثرّب عليه إذا وبخه ولامه؛ فالمعنى: لا أوبخكم ولا ألومكم بعد اعترافكم اليوم، ولا أذكر لكم صنيعكم الماضي بمذمة ولا تقريع، بل عفوت عنكم عفواً تاماً، وسألت الله أن يغفر لكم ذنبكم، وهو سبحانه أرحم الراحمين بعباده التائبين».
وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الأمة إذا زنت: «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ وَلاَ يُثَرِّبْ عَلَيْهَا» أي لا يجمع عليها بين الحد والتوبيخ والتعيير بالذنب.
اقتداء النبي صلى الله عليه وسلم بهذا العفو يوم فتح مكة:
أخرج البيهقي في "سنن الكبرى" (9/ 118)مصدر غير محدد٩/١١٨ وابن هشام في السيرة النبوية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة ودخل المسجد الحرام وظفر بأهل مكة الذين طردوه وعذبوه وحاربوه وقتلوا أصحابه وعمه حمزة، وقف على باب الكعبة وهم ينظرون ما هو صانع بهم، فقال: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}، اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تَثْرِيبَ
مصدر ثرّب يثرّب تثريباً، مأخوذ من الثَّرْب وهو الشحم الرقيق الذي يغشى الكرش والأمعاء؛ وإزالة الثرب عن الشيء تنحيته وإفساده؛ فالتثريب: تمزيق العرض بالتقريع واللوم الشديد.
الْيَوْمَ
اسم للوقت الحاضر، والمراد به: اليوم وما بعده من الأيام؛ فإذا انتفى التثريب في يوم الانكشاف والظفر فانتفاؤه فيما بعده أولى وأحرى.
قَالَ
فعل ماض والفاعل مستتر (يوسف).
لَا تَثْرِيبَ
"لا" نافية للجنس تعمل عمل إن، "تثريب" اسم لا مبني على الفتح في محل نصب.
عَلَيْكُمُ
جار ومجرور في محل رفع خبر "لا".
الْيَوْمَ
ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلق بمحذوف حال أو بالخبر أو بفعل مقدر تقديره: لا أثرب عليكم اليوم.
يَغْفِرُ اللَّهُ
فعل مضارع مرفوع بالضمة (لفظه خبر ومعناه الدعاء والرجاء المستجاب)، اسم الجلالة فاعل مرفوع بالضمة.
لَكُمْ
جار ومجرور متعلق بـ "يغفر".
وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
الواو حالية أو استئنافية، "هو" مبتدأ، "أرحم" خبر مرفوع، "الراحمين" مضاف إليه مجرور بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
السرعة المذهلة في إغلاق ملف الجريمة:
بمجرد أن انتهى الإخوة من قولهم: {وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ}، جاء رد يوسف بـ {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} دون أن يتركهم لحظة واحدة في عذاب القلق والترقب؛ وهذا من أسمى معالم الكرم؛ فالعفو السريع أوقع في النفس وأبلغ في جبر القلوب المنكسرة.
الجمع بين إسقاط الحق الشخصي والدعاء بالمغفرة الإلهية:
لم يكتفِ يوسف بإسقاط حقه الشخصي من العتاب {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ}، بل شفع لهم عند الحاكم الأعلى ودعا لهم بالمغفرة: {يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ}، ثم ختم بالتوسل باسمه {وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}؛ ليزيل عنهم هم التبعة الأخروية كما أزال عنهم هم التبعة الدنيوية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة التناقض في تقييد العفو بـ {الْيَوْمَ}:
قد يتساءل جاهل: هل قوله "اليوم" يعني أنه يثرب عليهم في الغد؟
والجواب اللغوي والبلاغي الحاسم:
أن التقييد باليوم خرج مخرج التأكيد ودفع التوقع؛ لأن يوم الظفر والانتصار هو اليوم الذي يتوقع فيه المخطئ أشد العقوبة والتشفي والتقريع، فإذا نفى التثريب في هذا اليوم الحرج الحاسم، كان نفيه في سائر الأيام من باب أولى بطريق دلالة الإشارة وفحوى الخطاب.
نفي الجنس بـ {لَا تَثْرِيبَ}:
بناء "لا" النافية للجنس مع اسمها المفرد لاستغراق كل صور وألوان التثريب واللوم والتأنيب، مما يعني مسح الخطيئة من الذاكرة تماماً.
الجملة الدعائية بصيغة المضارع {يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ}:
العدول إلى صيغة الفعل المضارع لإفادة استمرار وتجدد مغفرة الله ورحمته لهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قمة خلق العفو عند المقدرة:
أعظم درجات الإحسان ليست فقط في العفو وترك العقاب، بل في ترك التثريب واللوم وتذكير المخطئ بذنبه؛ فيوسف لم يعفُ فقط بل منع نفسه من معاتبتهم لئلا يخجلهم.
تأسيس السلم الأهلي والمجتمعي بالعفو العام:
سنة نبوية خالدة استن بها خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم في فتح مكة؛ فالعفو العام يطفئ نيران الثارات والأحقاد ويبني مجتمع المحبة والإخاء بعد عقود من الصراع والعداوة.