استجابة الملك وإجراء التحقيق الرسمي الحاسم:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 137)مصدر غير محدد١٦/١٣٧ عن قتادة والسدي ومحمد بن إسحاق: أن الرسول لما رجع إلى الملك وأخبره بما قال يوسف، عظم يوسف في عين الملك جداً، وأيقن بنبالته ونزاهته وترفعه عن المطامع الدنيوية، فأحضر الملك نسوة المدينة اللاتي قطّعن أيديهن وامرأة العزيز معهن، وقال لهن مستجوباً ومحققاً: {مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ}.
شهادة نسوة المدينة بالإجماع ببراءة يوسف:
أجمع النسوة على الجواب القاطع الخالي من أي شائبة ريب: {قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ}. قال ابن كثير في تفسيره (4/ 395)مصدر غير محدد٤/٣٩٥: «نزهن الله تعالى أولاً، ثم شهدن ليوسف بالطهارة المطلقة والعفة التامة؛ أي: ما علمنا عليه قط أدنى سوء، لا قولاً ولا فعلاً، ولا ميلاً ولا تطلعاً لما لا يحل له».
اعتراف امرأة العزيز الجلي بالحق والصدق:
لما سمعت امرأة العزيز شهادة النسوة، ورأت نور الحق يتلألأ، تحرك ضميرها وسقطت كل دفاعات الكبرياء والادعاء؛ فقالت معلنة: {الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ}.
روى ابن أبي حاتم في تفسيره عن مجاهد وزيد بن أسلم وابن زيد في قوله: {حَصْحَصَ الْحَقُّ}، قالوا: ظهر الحق وتبيّن وانكشف بعد أن كان مستوراً ملتبساً بالباطل.
تفسير كلمة "حصحص" في كلام أئمة اللغة والتفسير:
قال القرطبي (9/ 210)مصدر غير محدد٩/٢١٠: «يقال: حصحص الشيء إذا ظهر وبرز وانفصل عن غيره، مأخوذ من الحِصّة، أي تميزت حصة الحق من حصة الباطل، وقيل: من حصّ شعره إذا استأصله فبان أصله وظهر جلده، فالمعنى: انقشع الباطل وثبت الحق مستقراً واضحاً».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مَا خَطْبُكُنَّ
الخطب: الأمر العظيم والشان الجلل الذي يُعنى به؛ والجمع خطوب. يقال: ما خطبك؟ أي: ما شأنك وأمرك الخطير؟
حَاشَ لِلَّهِ
كلمة تنزيه وبراءة، وأصلها من "الحشا" وهو الناحية والتنحي، فالمعنى: تنزيهاً لله وبراءة له من أن يعصى، أو تنزيهاً ليوسف برعاية الله وحفظه. وقد قرئت بإثبات الألف وصلاً ووقفاً "حاشا لله"، وحذفها تخفيفاً "حاشَ لله".
مِن سُوءٍ
"مِن" لاستغراق الجنس وتأكيد النفي؛ أي: ما علمنا عليه أي نوع من أنواع السوء صغيراً كان أو كبيراً.
حَصْحَصَ
فعل ماض رباعي مضعف (ح-ص-ح-ص)، يدل على الحركة والظهور بعد خفاء، نظير زحزح وصرصر وقلقل؛ وفيه جرس صوتي يوحي بصلابة الحق وثباته بعد اضطراب الباطل.
الصَّادِقِينَ
جمع صادق، والمراد: الصادق في دعواه الأولى حين قال: {هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي}.
قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ
"قال" فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو (الملك). "ما" اسم استفهام مبني في محل رفع مبتدأ، "خطبكن" خبر مرفوع بالضمة، والكاف ضمير متصل في محل جر مضاف إليه، والنون علامة جمع الإناث، والجملة في محل نصب مقول القول.
إِذْ رَاوَدتُّنَّ
"إذ" ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف دل عليه الخطب، أي: ما شأنكن حين راودتن، وجملة "راودتن" في محل جر مضاف إليه.
يُوسُفَ
مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة منع من الصرف للعلمية والعجمة.
عَن نَّفْسِهِ
جار ومجرور متعلق بـ "راودتن"، والهاء مضاف إليه.
قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ
"قلن" فعل ماض مبني على السكون ونون النسوة فاعل، "حاش" اسم فعل ماض أو حرف جر شبيه بالزائد متضمن معنى التنزيه، واللام حرف جر، واسم الجلالة مجرور باللام، والجملة مقول القول.
مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ
"ما" نافية، "علمنا" فعل ماض وفاعله، "عليه" متعلق بـ "علمنا"، "من" حرف جر زائد لتأكيد النفي والاستغراق، "سوء" اسم مجرور لفظاً منصوب محلاً على أنه مفعول به لـ "علمنا".
قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ
فعل ماض والتاء للتأنيث، "امرأة" فاعل مرفوع، "العزيز" مضاف إليه مجرور.
الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ
"الآن" ظرف زمان مبني على الفتح متعلق بـ "حصحص"، "حصحص" فعل ماض، "الحق" فاعل مرفوع.
أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ
"أنا" ضمير منفصل مبتدأ، وجملة "راودته" خبر، والهاء مفعول به.
وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ
الواو عاطفة أو حالية، "إن" حرف ناسخ والهاء اسمها، اللام المزحلقة، "من الصادقين" شبه جملة خبر إن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام المحاكمة واستنطاق الخصوم:
انظر إلى روعة الترتيب القرآني؛ يوسف عليه السلام لم يدافع عن نفسه في هذا المجلس، ولم يكن حاضراً بجسده أصلاً، بل غاب يوسف وحضر صدقه وبرهانه، وتولى الملك التحقيق، وشهدت نسوة المدينة بالبراءة العامة، ثم ختم المشهد باعتراف الخصم الألد والمباشر وهي امرأة العزيز. وهذا من أبلغ مراتب إحقاق الحق حيث تنطق به الألسن التي كانت تسعى في وأده وإلصاق التهمة بصاحبه.
جمع النسوة في السؤال والاعتراف الفردي لامرأة العزيز:
الملك خاطب الجميع: {مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ}؛ فنسب المراودة إليهن جميعاً، إما لأن بعضهن راودنه لحساب امرأة العزيز، أو لأنهن شاركن في التحريض وتثبيط يوسف، أو لمجرد كونهن حاضرات ذلك المجلس المريب؛ فلما نفته النسوة عن أنفسهن وشهِدن ببرائته، انحصر الموقف على امرأة العزيز فانفردت بالاعتراف الصريح المستوفي لكل أركان الصدق.
الارتقاء من تنزيه النسوة إلى تصديق يوسف المطلق:
النسوة قلن: {مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ} وهو نفي للذنب، ولكن امرأة العزيز زادت على ذلك إثبات الفضل والصدق فقالت: {وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} في مقالته الأولى حين اتهمتُه أنا كذباً وافتراءً بقولي: {مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة اعتراف امرأة العزيز تحت الإكراه:
زعم بعض المشككين أن اعتراف امرأة العزيز كان تحت ضغط الاستجواب الملكي؛ وهذا باطل عقلاً ونقلاً؛ إذ لم يمارس الملك عليها أي نوع من التعذيب أو التهديد، وإنما كان مجرد سؤال مفتوح، ولم يكن لأحد أن يرغمها على الاعتراف الكامل بهذه الصورة التي تخدش كبرياءها وتعلن سقوط ادعائها السابق إلا استسلام النفس لسلطان الحق حين تتبدد كل الحيل وتتلاشى موانع الصدق.
عظمة العدالة الإلهية في تبرئة المظلومين:
تتجلى في هذه الآية سنة ربانية ماضية: أن المظلوم الصابر المحتسب لا بد أن يقيّض الله له من الأسباب ما يظهر براءته على رؤوس الأشهاد، حتى ينطق بها أعداؤه وشانئوه، فالله سبحانه لا يضيع أجر المحسنين، وإذا أراد نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود أو معترف بالحق مقهوراً بحجته.
الجرس اللفظي المزلزل في {حَصْحَصَ}:
اختيار هذه اللفظة العجيبة بحروفها المكررة (الحاء والصاد) يعطي بعداً حسياً للحق كأنه صخرة صلبة انحسرت عنها الرمال والأتربة فبانت بيضاء نقية لا يغشاها غبار.
توكيد الاعتراف في جملة {أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ}:
جاء الاعتراف مصدراً بضمير الفصل {أَنَا} لتحمل التبعة كاملة، ثم أعقبتها بـ "إنّ" المؤكدة واللام المزحلقة في قوله: {وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ}؛ ولم تقل "وإنه صادق" بل جعلته من زمرة الصادقين الراسخين في الصدق، اعترافاً منها بعلو مقامه ورسوخ ديانته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قوة الاعتراف بالخطأ والرجوع إلى الحق:
الرجوع إلى الحق فضيلة تُحمد وإن تأخرت؛ فامرأة العزيز حين رأت تجلي الحقائق تجردت من كبريائها واعترفت بظلمها، وفي هذا درس لكل من تورط في خصومة أو ظلم أن يبادر إلى إعلان توبته وبرائة من ظلمه قبل فوات الأوان.
شهادة الخصوم أعظم الشهادات:
إذا شهد الخصوم للطاهر بالعفة والطهارة، انقطعت كل ألسنة السوء؛ ولذا قيل: "والفضل ما شهدت به الأعداء".
عاقبة الصبر على الابتلاء:
لبث يوسف في السجن سنين طويلة محتسباً، فكانت العاقبة أن نال الحرية والسيادة والتمكين، ونال قبل ذلك كله صك البراءة المعلن من أعلى سلطة في الدولة وممن كادوا له، وهذا يعلم المؤمن أن مرارة الصبر تعقبها حلاوة النصر والكرامة.