المعركة التفسيرية الكبرى في تعيين قائل هذه المقالة:
وقع في هذه الآية والآية التي تليها خلاف عريض ومشهور بين أئمة التفسير من السلف والخلف في تعيين القائل:
القول الأول (قول جمهور المتقدمين):
أن هذا من كلام يوسف عليه السلام؛ والمعنى: ذلك الذي فعلتُه من رد الرسول وطلب مساءلة النسوة ليعلم سيدي العزيز أني لم أخنه في أهله بغيبته عني، ولم أقع في الفاحشة مع زوجته، وأن الله لا يهدي كيد من خان الأمانة.
وهذا القول روي عن ابن عباس، وابن جريج، وقتادة، ومجاهد، والضحاك، والسدي، والحسن البصري، وهو الذي نصره ورجحه الإمام ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 142)جامع البيانالطبري١٦/١٤٢ محتجاً بأن الكلام موصول بما قبله في سياق مقاصد يوسف من التحقيق.
القول الثاني (قول الإمام ابن تيمية وابن القيم وابن كثير وجمع من المحققين):
أن هذا من تمام كلام امرأة العزيز في مجلس الملك بحضرة النسوة؛ والمعنى: ذلك الاعتراف الذي اعترفتُ به الآن على نفسي وقلتُ: {أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ}، إنما أقررتُ به ليعلم زوجي العزيز أني لم أخنه في فراشه بالغيب ولم أواقع الفاحشة، وإنما كانت مراودة امتنعت بعفة يوسف، وليعلم أني حين اعترفتُ لم أخن يوسف في مغيبه ولم أكتم براءته، {وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ}.
ترجيح الإمامين ابن تيمية وابن كثير لقول امرأة العزيز وبراهينه:
قال الحافظ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 396)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٣٩٦: «وهذا القول الثاني هو الأظهر والأقوى، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية في كتابه المشهور في هذا الباب، ونصره العلامة ابن القيم، ودلائله واضحة:
أن يوسف عليه السلام لم يكن حاضراً في ذلك المجلس الملكي، بل كان لا يزال في السجن ينتظر رجوع الرسول إليه بما يسفر عنه التحقيق، فكيف يقحم كلامه في أثناء كلام امرأة العزيز دون عاطف ولا إشعار بالانتقال؟
أن السياق كله من أول الآية (51) إلى آخر الآية (53) كلام واحد متصل صادر عن لسان واحد؛ وهو قولها: {الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ * وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ}؛ فجعل بعض هذا الكلام ليوسف وبعضه لامرأة العزيز تفكيك للنظم القرآني المحكم بغير دليل صريح.
أن قوله بعد ذلك في الآية (54): {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} يدل قطعاً على أن يوسف لم يُحضر إلى الملك إلا بعد تمام هذا التحقيق وهذا الكلام كله».
معنى {وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ}:
قال السعدي في "تيسير الكريم الرحمن" (ص: 400)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٠٠: «أي: أن كل خائن يسعى في خيانة ومكر خبيث، فإن الله سبحانه يعطّل كيده، ويُبطل سعيه، ولا يسدده إلى مقصوده الفاسد، بل يجعل عاقبة مكره بواراً ووبالاً عليه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ذَٰلِكَ
اسم إشارة للبعيد، والمشار إليه إما طلب التحقيق (على قول يوسف)، أو الإقرار والاعتراف بالحق (على قول امرأة العزيز).
بِالْغَيْبِ
الباء للملابسة أو الظرفية؛ والغيب: خلاف الشهادة؛ أي: في حال غيبته عني، أو بمكان غائب مستور عن أعين الناس.
لَا يَهْدِي
لا يرشد ولا يسدد ولا ينفذ؛ من الهداية بمعنى الدلالة والتوفيق والإنفاذ.
الْخَائِنِينَ
جمع خائن، من الخيانة وهي نقض الأمانة والغدر في العهود والواجبات.
ذَٰلِكَ
اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ، وخبره محذوف تقديره: اعترافي ذلك، أو الأمر ذلك. وقيل: في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره: فعلت ذلك.
لِيَعْلَمَ
اللام لام التعليل، "يعلم" فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على العزيز زوجها (أو على الملك، أو على العزيز على قول يوسف). والمصدر المؤول من (أن والفعل) في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلق بالخبر المحذوف أو بالفعل المحذوف.
أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ
"أن" حرف توكيد ونصب والياء اسمها، "لم" حرف جزم ونفي وقلب، "أخنه" فعل مضارع مجزوم بـ "لم" وعلامة جزمه السكون وحذفت الواو لالتقاء الساكنين، والفاعل مستتر تقديره أنا، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. وجملة "لم أخنه" في محل رفع خبر "أن". والمصدر المؤول سد مسد مفعولي "يعلم".
بِالْغَيْبِ
جار ومجرور في محل نصب حال من الفاعل (أي: لم أخنه وأنا غائبة عنه، أو وهو غائب عني)، أو حال من المفعول به.
وَأَنَّ اللَّهَ
الواو عاطفة، "أن" حرف ناسخ، اسم الجلالة اسمها منصوب.
لَا يَهْدِي
"لا" نافية، "يهدي" فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الله.
كَيْدَ الْخَائِنِينَ
"كيد" مفعول به منصوب، "الخائنين" مضاف إليه مجرور بالياء. وجملة "لا يهدي" في محل رفع خبر "أن". والمصدر المؤول معطوف على المصدر المؤول السابق في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التماسك السياقي التام في النظم:
عند استقراء النظم القرآني، نجد أن ترجيح كون القائل امرأة العزيز يمنح النص وحدة موضوعية بديعة؛ فالآية السابقة اختتمت باعترافها: {أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ}، ثم عللت سبب هذا الاعتراف المفاجئ أمام الملأ فقالت: {ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ}؛ أي اعترفت الآن بهذا الإقرار الشجاع ليعلم زوجي أني لم أهتك فراشه بالخيانة الكبرى، وليعلم يوسف أني لم أخنه في غيبته بالكذب عليه وإدامة ظلمه.
الارتباط بقانون الإلغاء الإلهي لمكر الخونة:
قولها: {وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} تقرير لقانون كوني وأخلاقي استقر في ضميرها بعد هذه التجربة الطويلة؛ فعلمت أن كيدها ومكرها الذي دبرته سابقاً لإيقاع يوسف، ومكر النسوة، كله باء بالفشل والفضائح؛ لأن الله لا يمكن أن يسدد كيد خائن أو يبارك في عمل أهل الغدر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع الإشكال عمن قال إن القائل هو يوسف عليه السلام:
ذهب بعض المفسرين الأجلاء إلى أن القائل هو يوسف، واضطروا للإجابة عن عدم حضوره في المجلس بافتراضات؛ كأن يكون الملك أرسل إليه يخبره بما قال النسوة فقال يوسف ذلك للرسول، أو أن يوسف قاله حين مثل بين يدي الملك لاحقاً فاقتطع النظم كلامه وقدمه هنا. ولكن هذه التأويلات فيها تكلف وتعسف في تقدير المحذوفات من غير حاجة؛ وقواعد التفسير والأصول تقتضي حمل الكلام على سياقه الظاهر المباشر ما لم يوجد مانع قطعي؛ ولا مانع عقلياً ولا شرعياً من أن تكون امرأة العزيز هي القائلة، بل هو عين البلاغة والاتساق السردي كما برهن ابن تيمية وابن كثير.
براءة يوسف من شائبة الخيانة:
سواء كان القائل يوسف أو امرأة العزيز، فالآية تقطع قطعا باتاً بنزاهة يوسف عليه السلام من كل خيانة وسوء، وتثبت أن الأمانة هي السمة الغالبة على سيرته، وأن حفظ الغيب حق لازم لكل ذي مروءة ودين.
الحكمة البالغة في التذييل العام {وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ}:
التذييل بجملة اسمية تفيد الثبوت والاستمرار، واستعمال صيغة "الخائنين" بالجمع المفيد للعموم، يرفع الموقف من واقعة تاريخية فردية إلى ناموس كلي عام؛ فكل من سلك طريق الخيانة والغدر والمكر السيئ، فإن الله حائل بينه وبين مراده، وسيرد كيده في نحره عاجلاً أو آجلاً.
التعبير بالهداية في موضع التوفيق والإنفاذ:
استعمال الفعل "يهدي" مع "كيد" استعارة مكنية أو مجاز مرسل؛ حيث شُبه الكيد بالسائر في طريق يحتاج إلى دليل وهادٍ يسدده ليصل إلى غايته، فنفى الله هدايته، أي: يجعله تائهاً حائراً ضالاً لا ينفذ إلى مقصوده أبداً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الأمانة في الغيب أعظم برهان على الصدق:
الخيانة في الغيب هي مكمن الضعف البشري؛ لأن الإنسان قد يتجمل بالأمانة أمام الأعين والشاشات، ولكن المؤمن الصادق والحر الكريم يحفظ الأمانة حيث لا يراه إلا الله، فمن خان في الغيب كشفه الله في الشهادة.
سقوط عروش المكر والكيد أمام العدالة الإلهية:
كل مؤامرة تحاك في الظلام ضد الأبرياء والدعاة مصيرها إلى التفكك والبوار؛ لأن الحاكم الأعلى للكون أخذ على نفسه عهداً أزلياً: {وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ}، وفي هذا أعظم طمأنينة لقلوب المظلومين والمضطهدين.
صحوة الضمير الإنساني بعد الضلال:
حين يعترف المرء بذنبه ويعود إلى الصواب، فإن أول ما يفيض على لسانه هو الاعتراف بالحق والحكمة الربانية، كما فعلت هذه المرأة حين تحولت من المكر والخيانة إلى تقرير السنن الإلهية في خذلان الخائنين.