اعتزال يعقوب عليه السلام وانفجار لوعته الدفينة:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 224)مصدر غير محدد١٦/٢٢٤ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك والحسن: لما قال يعقوب مقالته السابقة، ضاق ذرعه بمواجهة بنيه، فأعرض عنهم وتولى بوجهه وجسده لئلا يرى وجوههم التي تذكره بجنايتهم، وخلا بنفسه يبث لوعته إلى ربه ونادى منتحباً: {يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ}؛ فذكر يوسف بالاسم دون غيره؛ لأن فقده كان أصل كل حزن، ولأن فاجعة أخويه نكأت الجرح القديم وأشعلت نيران الشوق إليه.
تفسير قوله: {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ}:
أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: «ذهب بصره لكثرة بكائه وحزنه عليه؛ وهو كظيم: أي ممتلئ حزناً وغماً، يكظم غيظه ولا يقول ما يسخط الرب».
وقال سعيد بن جبير: «أصابه الماء الأبيض في عينيه من شدة البكاء والحزن حتى عمي».
قال ابن كثير (4/ 415)مصدر غير محدد٤/٤١٥: «{فَهُوَ كَظِيمٌ}؛ أي ساكت ممسك عن الشكوى إلى الخلق، كاره لما صدر من بنيه، ممتلئ جوفه هماً وغماً لا يبديه لأحد».
بيان البكاء الجائز الذي لا ينافي الصبر والرضا:
أخرج البخاري (حديث رقم 1303)مصدر غير محددحديث رقم ١٣٠٣ ومسلم (حديث رقم 923)مصدر غير محددحديث رقم ٩٢٣ من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟ فقال: «يا ابن عوف إنها رحمة»، ثم أتبعها بأخرى، فقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ».
قال العلماء: وبكاء يعقوب وحزنه كان من هذا الباب المحمود؛ رقة فطرية ورحمة نبوية لا تسخط فيها ولا اعتراض على قضاء الله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تَوَلَّىٰ
التولي: الإعراض بالوجه والانصراف؛ تولى عنهم: تركهم وانصرف عن مجلسهم.
يَا أَسَفَىٰ
الأسف: شدة الحزن والغم؛ والألف في "أسفى" منقلبة عن ياء المتكلم في النداء، وأصلها: "يا أسفي"، وأُبدلت الألف للمبالغة في مد الصوت بالتحسر والندبة.
وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ
ابيضاض العين: غشاوتها بالبياض وهو داء الساد (الماء الأبيض) الناشئ عن شدة البكاء وتقلص الأوعية من الحزن؛ مما يحجب الرؤية فيصير صاحبه أعمى أو شبه أعمى.
كَظِيمٌ
فعيل بمعنى مفعول أو فاعل؛ من الكظم وهو الحبس والإطباق؛ والكظيم: الممتلئ غيظاً وحزناً وهو يمسكه في جوفه ولا يظهره، ومنه كظم الغيظ وكظم القربة إذا شد فاها وهي ملأى.
وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ
الواو عاطفة، "تولى" فعل ماض مبني على الفتح المقدر والفاعل مستتر تقديره هو، "عنهم" متعلق بـ "تولى".
وَقَالَ
فعل ماض والفاعل مستتر.
يَا أَسَفَىٰ
"يا" حرف نداء وتنديم وتحسر، "أسفى" منادى مضاف إلى ياء المتكلم المنقلبة ألفاً منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل الألف المنقلبة، والجملة مقول القول.
عَلَىٰ يُوسُفَ
متعلق بـ "أسفى"، ويوسف مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف للعلمية والعجمة.
وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ
الواو عاطفة أو حالية، "ابيضت" فعل ماض والتاء للتأنيث، "عيناه" فاعل مرفوع بالألف لأنه مثنى والهاء مضاف إليه.
مِنَ الْحُزْنِ
"من" سببية، الجار والمجرور متعلق بـ "ابيضت".
فَهُوَ كَظِيمٌ
الفاء عاطفة تفيد السببية أو التعقيب، "هو" ضمير منفصل مبتدأ، "كظيم" خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، والجملة الاسمية معطوفة أو في محل نصب حال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
البلاغة المعجزة في تصوير قمة المأساة الإنسانية:
مشهد تفيض منه الدموع؛ أب شيخ طاعن في السن، نبي معصوم، يفقد فلذة كبده ثم يفقد أخويه، فيتولى عن أعين اللائمين وينفجر صوته المبحوح بنداء الغائب: {يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ}، وتبلغ لوعته ذروتها بفقد حاسة البصر: {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ}؛ ومع هذا الهول كله لم ينطق بكلمة واحدة تسخط ربه، بل كظم حزنه في صدره مسبلاً دموعه الصامتة.
تخصيص يوسف بالذكر دون بنيامين:
تخصيص يوسف بالنداء مع أن الحادثة الطازجة كانت في بنيامين؛ لبيان أن مصيبة يوسف هي الجرح النازف الأصيل الذي تتفرع عنه سائر الأحزان؛ فبنيامين إنما كان عزاؤه وسلوته عن يوسف، فلما غاب بنيامين عاد الشوق ليوسف بجذوته الأولى كأنه فُقد اليوم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة منافاة البكاء وعمى العينين لمقام الصبر الجميل:
زعم بعض القاصرين أن بكاء يعقوب حتى ابيضت عيناه ينافي قوله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}؛
والرد العقلي والشرعي القطعي:
أن الصبر الجميل هو كف الجوارح عن اللطم وشق الجيوب وكف اللسان عن التسخط والشكوى للخلق؛ أما دمع العين وحزن القلب وفقد البصر لفرط الكآبة فهي أمور جبلية قاهرة تفيض من ينابيع الرحمة البشرية ولا يملكها الإنسان، والشارع الحكيم لا يكلف بما يخرج عن طاقة البشر الفطرية؛ وقد بكى سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم على أولاده وأصحابه حتى خضلت لحيته وقال: «إنما يرحم الله من عباده الرحماء».
إبدال الياء ألفاً في {يَا أَسَفَىٰ}:
مد الصوت بالألف يجسد مدة الزفرة والآهة الخارجة من أعماق القلب المحترق؛ فالألف تناسب امتداد النفس وتفريج الكرب المحبوس.
صيغة {كَظِيمٌ} ودلالتها المجازية:
مأخوذة من كظم القربة الممتلئة ماءً؛ فشُبه يعقوب بالقربة الممتلئة حزناً حتى كادت تنفجر وهو يحبس فمها لئلا يتسرب منها شكوى لغير الله؛ وتلك أعلى درجات رباطة الجأش الإيماني.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
مشروعية الحزن والبكاء عند فقد الأحبة:
الإسلام دين الفطرة والرحمة؛ فلا عيب على المسلم أن يحزن وتبكي عيناه على ولده أو قريبه؛ فإن قسوة القلب وجفاف العين مذمومة شرعاً وطبعاً، وإنما المحرم هو التسخط والاعتراض على حكمة الله.
الفرار إلى العزلة عند هيجان الوجد لتفادي الشكوى:
تولي يعقوب عن بنيه واعتزاله يعلمنا أن الإنسان إذا غلبه الحزن فليعتزل الناس ليناجي ربه، لئلا تزل قدمه بكلمة لا ترضي الله أمام الملأ.