فيضان الرحمة النبوية في قلب يوسف وانكشاف الحقيقة:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 238)مصدر غير محدد١٦/٢٣٨ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك والسدي وابن إسحاق: لما رأى يوسف عليه السلام ذل إخوته بين يديه، وسمع تضرعهم وشكواهم من الجوع، ورأى رثاثة بضاعتهم المزجاة وتوسلهم بالصدقة، تداركته الرقة الفطرية والرحمة النبوية، وفاضت عيناه بالدمع ولم يطق صبراً على كتمان أمره أكثر من ذلك، فواجههم بالسؤال المزلزل الذي كشف الغطاء: {قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ}.
تفسير عتاب يوسف الرقيق واعتذاره لهم:
قال ابن كثير (4/ 418)مصدر غير محدد٤/٤١٨: «ذكّرهم بصنيعهم القديم بيوسف من إلقائه في الجب والتفريق بينه وبين أبيه، وبأخيه بنيامين بما ناله من الحزن والأذى والجفاء بعده؛ ولكنه من كمال كرمه وحلمه لم يفاجئهم باللوم الجارح ولا بالتهديد، بل اعتذر عنهم ولطف خطيئتهم بقوله: {إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ}؛ أي فعلتم ذلك في زمن صباكم وحداثة سنكم وغلبة الجهل والشهوة عليكم قبل أن تستحكم عقولكم وتعرفوا عواقب الأمور».
"إذ" ظرف لما مضى من الزمان متعلق بـ "فعلتم"، "أنتم" ضمير منفصل مبتدأ.
جَاهِلُونَ
خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية في محل جر بالإضافة لـ "إذ".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المفاجأة الصاعقة التي ألجمت الألسن:
في اللحظة التي كانوا ينتظرون فيها صاع القمح وصدقة العزيز، خرج السؤال من فم الحاكم الأعلى بصورة لا يمكن أن تصدر إلا عن صاحب الشأن ذاته! فاسم "يوسف" لم يكن يعرفه أحد في مصر قط إلا هم؛ فكان هذا السؤال بمثابة صاعقة مزقت كل الحجب وكشفت هوية الملك.
أدب العتاب النبوي الرفيع:
لم يقل: "هل تذكرون ظلمكم لي وجريمتكم ورميكم لي في البئر؟!" بل قال: {مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ} بصيغة الغائب، ثم قيد ذلك بـ {إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ}، ففتح لهم نافذة الاعتذار فوراً، لئلا يقتلهم الخجل والرعب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة الانتقام أو التشفي في سؤال يوسف:
قد يتوهم واهم أن يوسف أراد إذلالهم والتفاخر عليهم؛
والجواب العقلي والأخلاقي الباهر:
أن يوسف رأى ذلهم قد بلغ مداه، فلو استمر في الكتمان لهلكوا كمداً وفقراً، فأراد كشف الحقيقة لرفع كربتهم وإدخال الفرحة عليهم، وسؤاله كان تمهيداً لبيان العفو والصفح التام الذي سيعلنه في الآية (92)؛ فالسؤال كان جسراً من سياط الذل إلى رياض الكرامة والعزة.
البلاغة في التذييل بـ {إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ}:
احتراس بلاغي وتلطف عظيم؛ لتهوين وطأة الجرم وفتح باب الرجاء للتوبة؛ فالكريم إذا عاتب ألمح إلى عذر المعاتب ليرفع عنه الحرج.
الاستفهام التقريري بـ {هَلْ}:
لتحريك الذاكرة وإيقاظ الضمير ليعترف الخصم بنفسه دون قهر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
فقه العتاب والصلح بين الإخوة والأحبة:
إذا أردت معاتبة من أخطأ في حقك بعد التمكين، فلا تقرعه بألفاظ الانتقام، بل التمس له الأعذار، واذكر جهله بالماضي، ليثوب إلى رشده ويقبل على الصلح بقلب آمن.
حقيقة الجهل في ميزان الشريعة:
كل معصية لله فهي جهل وسفه، وإن كان صاحبها يحمل أعلى الشهادات؛ فالجاهل الحقيقي هو من يقدم هوى نفسه على أمر ربه.