دعاء يوسف عليه السلام عند تكامل النعمة وتمادي الملك:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 268)جامع البيانالطبري١٦/٢٦٨ وابن أبي حاتم عن قتادة، ومجاهد، والضحاك، وابن إسحاق، والحسن البصري قالوا: لما جمع الله ليوسف شمله، وأقر عينه برؤية والديه وإخوته، وتم له ملك مصر، واستقرت به الدار، وعلم أن الدنيا دار زوال وفناء، تاقت نفسه الشريفة إلى النعيم المقيم في الدار الآخرة واللحوق بآبائه النبيين الصالحين، فتوجه إلى ربه بهذا الدعاء الخاشع المستجاب: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}.
مسألة: هل سأل يوسف عليه السلام تمني الموت؟:
أخرج البخاري (حديث رقم 5671)مصدر غير محددحديث رقم ٥٦٧١ ومسلم (حديث رقم 2680)مصدر غير محددحديث رقم ٢٦٨٠ من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لاَ بُدَّ فَاعِلاً، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِي».
قال أئمة التحقيق (ابن جرير الطبري، ابن كثير، ابن القيم، القرطبي):
لم يسأل يوسف تعجيل الموت لضُرّ أو جزع من الدنيا؛ بل سأل: إذا جاء أجلي وحان موتي فتوفني على الإسلام، واختم لي بالحسنى، كقوله تعالى: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ}.
وقيل: كان تمنياً للوفاة بعد أن كملت نعم الدنيا عليه، شوقاً إلى لقاء الله واللحوق بآبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وكان ذلك جائزاً في شريعتهم قبل نهي شريعتنا.
قال قتادة: «لم يتمن الموت أحد من الأنبياء إلا يوسف، حين تكاملت عليه النعم واشتاق إلى لقاء ربه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مِنَ الْمُلْكِ
"مِن" للتبعيض؛ أي أعطيتني جزءاً من الملك وسلطاناً على أرض مصر؛ لأن الملك الحقيقي التام لله وحده.
تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ
تفسير الرؤى المنامية وفهم أسرار الكتب الإلهية وطبائع الأمور.
فَاطِرَ
الفاطر: الخالق المبتدع للشيء على غير مثال مسبق؛ من الفطر وهو الشق والابتداء.
وَلِيِّي
الولي: النصير والحبيب والمتولي لجميع الشؤون بالرعاية والتوفيق في الدارين.
تَوَفَّنِي
التوفي: قبض الروح عند انقضاء الأجل؛ استوفى حقه وتوفى الله العبد إذا قبض روحه.
۞ رَبِّ
منادى بحرف نداء محذوف منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف والياء مضاف إليه.
قَدْ آتَيْتَنِي
"قد" تحقيق، "آتيت" فعل ماض مبني على السكون والتاء فاعل والنون للوقاية والياء مفعول به أول.
مِنَ الْمُلْكِ
جار ومجرور في محل نصب مفعول به ثان لـ "آتيتني"، و"من" للتبعيض.
وَعَلَّمْتَنِي
معطوف على آتيتني.
مِن تَأْوِيلِ
جار ومجرور في محل نصب مفعول به ثان لـ "علمتني"، و"تأويل" مضاف.
الْأَحَادِيثِ
مضاف إليه مجرور بالكسرة.
فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
منادى ثان منصوب بالفتحة وهو مضاف، والسموات مضاف إليه والأرض معطوف.
فعل دعاء بصيغة الأمر مبني على حذف حرف العلة (الياء)، والفاعل مستتر أنت، والنون للوقاية والياء مفعول به أول.
مُسْلِمًا
حال منصوبة بالفتحة من ياء المتكلم في "توفني".
وَأَلْحِقْنِي
معطوف على توفني، والفاعل أنت والنون للوقاية والياء مفعول به.
بِالصَّالِحِينَ
متعلق بـ "ألحقني"، والمجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مسك الختام لسيرة الصديق:
انظر إلى هذا النظم المعجز كيف ختم قصة يوسف الذاتية؛ لم يختمها بالحديث عن القصور أو المال أو الجند، بل ختمها بالانكسار التام على عتبة العبودية ومناجاة فاطر السماوات والأرض: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}؛ ليعلم العباد أن غاية الغايات وثمرة النعم كلها هي الخاتمة الحسنة والموت على التوحيد.
التواضع النبوي في {مِنَ الْمُلْكِ} و{مِن تَأْوِيلِ}:
استعمال "مِن" التبعيضية في موضعين متتاليين يبرز هضم النفس أمام عظمة العطاء الإلهي؛ فملكه العظيم لمصر وعلمه الواسع بتعبير الرؤى إنما هو قبس يسير وجزء محدود من ملك الله وعلمه المحيط.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة التناقض بين دعاء يوسف وحديث النهي عن تمني الموت:
بين العلماء أن النهي النبوي في حديث أنس معلل بقوله: «لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ»؛ فالمنهي عنه هو تمني الموت لضيق دنيوي أو فقر أو مصيبة، لما فيه من الجزع وضعف الصبر على القدر؛ أما يوسف فلم يدعُ بضر، بل دعا في قمة النعمة والعز، وكان دعاؤه طلباً للثبات على الإسلام عند نزول الموت، ولقاء الرفيق الأعلى في دار الكرامة، وهذا مما يرغب فيه أولياء الله؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في آخر لحظات حياته: «اللَّهُمَّ فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى».
البلاغة في التوسل بـ {فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}:
استحضار صفة الخلق والابتداع؛ فمن فطر هذا الكون العظيم قادر على أن يحفظ إيمان عبده الضعيف ويثبته حتى الممات.
الحال المؤكدة {مُسْلِمًا}:
تحديد نوع الوفاة المطلوبة؛ فالشرف ليس في أن يموت ملكاً أو وزيراً، بل الشرف في أن يموت مسلماً خاضعاً لربه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الزهد في الدنيا عند بلوغ ذروتها:
الدرس الأسمى من قصة يوسف: أن لا تشغلنا زينة الدنيا ونعيمها عن الاستعداد للآخرة؛ فيوسف في قمة عرشه لم يتعلق قلبه بالملك، بل كان قلبه معلقاً بالوفاة على الإسلام واللحوق بالصالحين.
دعاء الثبات وحسن الخاتمة ديدن الأنبياء:
إذا كان نبي الله الصديق المعصوم يسأل الله الثبات على الإسلام والوفاة عليه، فكيف بنا ونحن نتقلب في الفتن والشهوات؟ فالواجب على كل مؤمن أن يلهج لسانه دائماً: "اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، وتوفني مسلماً وألحقني بالصالحين".