طلب يوسف عليه السلام للولاية الاقتصادية:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 155)مصدر غير محدد١٦/١٥٥ عن قتادة والسدي وابن زيد ومحمد بن إسحاق: لما رأى يوسف إكرام الملك له وعلم أنه مكن له، قال للملك: {اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ}؛ وأراد بالأرض أرض مصر وخزائن طعامها وغلاتها وأموالها، لعلمه بقدوم سنوات الشدة السبع، وأنه لا يقدر على تدبيرها وحفظ الطعام وضبط العدالة في توزيعه إلا هو بإلهام الله وعلمه.
تفسير قوله: {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}:
أخرج عبد الرزاق في مصنفه وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: {حَفِيظٌ} لما استودعتني، خازن أمين لا يضيع من المال شيئاً ولا يبدده، {عَلِيمٌ} بوجوه التدبير والتصرف، وكيفية الادخار في سني الخصب والإنفاق في سني الجدب.
قال ابن كثير في تفسيره (4/ 398)مصدر غير محدد٤/٣٩٨: «مدح يوسف نفسه هنا طلباً للمصلحة العامة؛ لعلمه بقدرته على كفاية الناس وإقامة العدل، وحفظ خزائن الأمة في أصعب أزمة اقتصادية ستمر بها، ولم يكن ذلك التزكية حباً في الرئاسة أو الفخر، بل أداءً للواجب وإنقاذاً للخلق».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
خَزَائِنِ
جمع خِزانة، وهي الموضع الذي يُحفظ ويُدخر فيه المال والطعام والمتاع؛ مأخوذة من الخزن وهو الحفظ والصيانة.
الْأَرْضِ
أل لعهد الذهن أو الحضوري، والمراد بها أرض مصر وأقاليمها التابعة لسلطان الملك.
صيغة مبالغة تدل على سعة المعرفة وفنون الإدارة وتدبير الأزمات والموازنات المالية.
قَالَ
فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو يعود على يوسف.
اجْعَلْنِي
فعل دعاء وطلب بصيغة الأمر، والفاعل مستتر تقديره أنت (الملك)، والنون للوقاية، والياء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به أول.
عَلَىٰ خَزَائِنِ
جار ومجرور متعلق بمحذوف في محل نصب مفعول به ثان لـ "اجعلني"، و"خزائن" مضاف.
الْأَرْضِ
مضاف إليه مجرور بالكسرة.
إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
"إن" حرف توكيد ونصب، والياء اسمها، "حفيظ" خبر أول مرفوع بالضمة، "عليم" خبر ثان مرفوع، وجملة "إني حفيظ عليم" تعليلية لا محل لها من الإعراب أو في محل نصب مقول القول الثاني.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المطابقة التامة بين عرض الملك وطلب يوسف:
الملك عرض تمكيناً عاماً غير محدد: {إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ}، فكان من حكمة يوسف العظيمة أنه لم يطلب سلطاناً شرفياً أو أبهة وملكاً صورياً، بل اتجه مباشرة إلى الثغر الأخطر والأهم في تلك الحقبة: {اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ}؛ ليتحمل المسؤولية الجسيمة التي لا يقوى عليها أحد غيره، منقذاً البلاد والعباد من المجاعة المحدقة.
اقتران الحفظ بالعلم:
لم يقتصر يوسف على ذكر الأمانة والحفظ، بل قرنها بالعلم: {حَفِيظٌ عَلِيمٌ}؛ لأن مجرد الأمانة دون علم وإدارة يؤدي إلى العجز وتضييع الحقوق بجهل، ومجرد العلم والذكاء دون أمانة وتقوى يؤدي إلى الخيانة والنهب والتفريط؛ فلا تستقيم شؤون الدول إلا باجتماع الحفظ (الأمانة) والعلم (الكفاءة).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة طلب الولاية وتزكية النفس المنهي عنهما:
استشكل البعض طلب يوسف الولاية مع نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن طلب الإمارة كما في حديث عبد الرحمن بن سمرة: «يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وُكِلت إليها...» (متفق عليه)، ومع قوله تعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ}.
والجواب الأصولي والشرعي المحكم:
أن النهي عن طلب الإمارة إنما هو لمن كان غير متعين لها، أو طلبها للرياسة والجاه والرفعة الدنيوية. أما من رأى من نفسه الكفاءة التامة والأمانة التي يعجز عنها غيره، ورأى ضياع مصالح الأمة أو هلاك الناس إن لم يتول، فطلبها واجب عليه كما قرره الماوردي وابن حزم والقرطبي والشوكاني.
أن تزكية النفس الجائزة أو الواجبة هي التي تكون لبيان الحق عند الحاجة إليها لتولي المسؤولية أو إنقاذ الحقوق، لا للمباهاة والفخر؛ كما قال عثمان رضي الله عنه مبيناً فضائله يوم الدار، وكما قال علي رضي الله عنه: «والله إني لأعلمهم بكتاب الله وأعلمهم بالسنة».
أن يوسف كان يعلم الرؤيا وتأويلها القاطع بالمجاعة التي تدوم سبع سنين، ويعلم أن ساسة مصر عاجزون عن تدبيرها، فلو لم يطلب الوزارة لهلك الناس جوعاً، فكان طلبه رحمة بالبشرية جمعاء.
تقديم الحفظ على العلم في الوصف:
قدّم يوسف {حَفِيظٌ} على {عَلِيمٌ}؛ لأن الخزائن والأموال تطلب صيانة وأمانة قبل كل شيء؛ فالأمانة صمام الأمان لمنع السرقة والمحاباة، ثم يأتي العلم لتوجيه التصرف وحسن التدبير.
التنكير في {حَفِيظٌ عَلِيمٌ}:
تنكير للتعظيم والاتصاف الراسخ بهذين الوصفين، كأنه يقول: إني بالغ الغاية في الحفظ والأمانة، محيط بما يلزم من العلم والتدبير لإدارة هذه الأزمة الكبرى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
معيار تولي المناصب العامة والقيادية:
تضع الآية دستوراً خالداً للإدارة والحكم: معيار "القوي الأمين" و"الحفيظ العليم"؛ فلا يجوز تقديم الولاء والمحاباة على الكفاءة والأمانة؛ وأي أمة توسد الأمر لغير أهله فإنها تسير نحو الهلاك الاقتصادي والاجتماعي.
الشجاعة في تحمل المسؤوليات الوطنية الكبرى:
المؤمن صاحب الرسالة لا يهرب من المسؤولية عند حلول الأزمات، بل يتقدم الصفوف ويوظف خبراته وعلمه لإنقاذ الناس وإشاعة العدل، مبتغياً وجه الله ونفع خلقه.
التخطيط الاستراتيجي للأمن الغذائي والاقتصادي:
إشارة صريحة إلى وجوب وضع خطط طوارئ مسبقة للغذاء والمال في أوقات الرخاء تحسباً لأوقات الشدة، وأن الاقتصاد الرشيد يبنى على التحوط والادخار المنظم لا على الاستهلاك العشوائي.