سياق الأمر الملكي واستدعاء يوسف:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 132)جامع البيانالطبري١٦/١٣٢ وابن أبي حاتم في تفسيره بسنديهما عن قتادة ومجاهد، قالا: لما رجع الساقي إلى الملك فأخبره بما أفتاه به يوسف من تأويل رؤياه العجيبة، وعلم الملك صدق تأويله وحكمته وبصيرته البالغة، وعلم أنه ليس من الكهنة ولا من السحرة العاجزين، أعظمه جداً وتشوف إلى لقائه، فقال: {ائْتُونِي بِهِ} ليكون من خواصي ومستشاري.
موقف يوسف عليه السلام العظيم في رفض الخروج العاجل:
روى البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ}، حديث رقم 4694)، ومسلم في صحيحه (كتاب الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان، حديث رقم 151)مصدر غير محددحديث رقم ١٥١ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ ثُمَّ أَتَانِي الدَّاعِي لَأَجَبْتُهُ، إِذْ جَاءَهُ الرَّسُولُ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ».
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 394)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٣٩٤: «وهذا من كمال فضل نبي الله يوسف عليه السلام، وصبره، وتثبته، وعلو همته؛ فإنه لم يبادر إلى الخروج من السجن حين أتاه الداعي بإطلاق سراحه، مع طول مقامه فيه بضع سنين ظلماً وعدواناً، بل أبى حتى تظهر براءته التامة، ويعلم أهل مصر كلهم -سلطانهم وعامتهم- أنه حُبس ظلماً، وأنه نقي العرض، بريء الساحة مما نُسب إليه، لئلا يخرج خروج المعفوّ عنه بعفوٍ ملكي تظل معه تهمة المراودة ملتصقة به».
التأدب الرفيع في عدم التصريح بامرأة العزيز:
نقل القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (9/ 207)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٩/٢٠٧ عن العلماء: «انظر إلى كمال أدب يوسف ومروءته وحفظه للعهد والستر؛ إذ لم يقل: سل امرأة العزيز لما راودتني، بل عدل عن ذكرها إلى قوله: {مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ}؛ ليدخلها في عمومهن ستراً عليها وتجملاً، ولأن النسوة هن اللاتي شاع الخبر عندهن، وكان اجتماعهن في دار العزيز بحضرتها، فإذا سُئلن صَدَقن وشَهِدن بالحق، فيظهر الأمر جلياً للجميع دون أن يكون يوسف هو المبتدئ بالهتك والتجريح الشخصي».
معنى قوله: {إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ}:
قال الطبري (16/ 135)مصدر غير محدد١٦/١٣٥: «يقول يوسف للرسول: إن ربي وخالقي الذي أعبده عليم بما كادته النسوة لي وما كادته امرأة العزيز من المكر والحيلة، لا يخفى عليه منه خافية، وسيجزيهن بعملهن ويظهر براءتي لخلقه». وقيل: أراد بربه سيده العزيز، لكن جمهور المحققين كابن عطية وابن تيمية رجحوا أن المراد به الله تعالى؛ لأن يوسف عليه السلام لا يفوض العلم بالغيب إلا لربه الأعلى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ائْتُونِي
همزة وصل تسقط في درج الكلام، وأصلها من الأتيان، وهمزة الفعل فاء الكلمة ساكنة تبدل ياءً في الابتداء لالتقاء همزة الوصل المكسورة مع الهمزة الساكنة: "إِيتُونِي".
مَا بَالُ
البال في لسان العرب: الحال والأمر والشان؛ يقال: ما بالك؟ أي: ما شأنك وما حالك؟ قال ابن منظور في "لسان العرب" (مادة: بول/ بيل): «البال: الحال التي يبال بها، أي يُكترث لها ويُهتم بشأنها».
اللَّاتِي
اسم موصول لجمع المؤنث، مبني على السكون في محل جر نعت لـ {النِّسْوَةِ}.
قَطَّعْنَ
فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، والتضعيف في "قطّع" للتكثير والمبالغة في الجرح كما تقدم بيانه في الآية (31).
بِكَيْدِهِنَّ
الكيد: المكر والتدبير الخفي؛ وأضيف إلى ضميرهن الدال على النسوة.
وَقَالَ الْمَلِكُ
الواو عاطفة أو استئنافية، "قال" فعل ماض، "الملك" فاعل مرفوع بالضمة.
ائْتُونِي بِهِ
جملة في محل نصب مقول القول. "ائتوا" فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والنون للوقاية، والياء ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول، "به" جار ومجرور متعلق بـ "ائتوني".
فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ
الفاء عاطفة تفيد التعقيب، "لما" حينية ظرفية متضمنة معنى الشرط، "جاءه" فعل ماض والهاء مفعول به، "الرسول" فاعل مرفوع، والجملة في محل جر بالإضافة لـ "لما".
قَالَ ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ
جواب "لما" لا محل له من الإعراب. "قال" فاعله مستتر تقديره هو يعود على يوسف، "ارجع" فعل أمر والفاعل مستتر تقديره أنت، "إلى ربك" جار ومجرور متعلق بـ "ارجع"، والكاف مضاف إليه.
فَاسْأَلْهُ
الفاء عاطفة سببية، "اسأل" فعل أمر، والهاء مفعول به أول.
مَا بَالُ النِّسْوَةِ
"ما" اسم استفهام مبني في محل رفع مبتدأ، "بال" خبر مرفوع، وهو مضاف، و"النسوة" مضاف إليه مجرور، والجملة الاستفهامية سدت مسد المفعول الثاني للفعل "اسأل" المعلق بالاستفهام.
إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ
"إن" حرف ناسخ، "ربي" اسم إن منصوب بفتحة مقدرة والياء مضاف إليه، "عليم" خبر إن مرفوع، "بكيدهن" جار ومجرور متعلق بـ "عليم".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية من المشهد السردي:
جاءت هذه الآية لتشكل الانعطافة الكبرى في سورة يوسف؛ فانتقل السياق من سياق الإذلال الظاهري بالسجن والنسيان إلى سياق العزة والظفر والتمكين الملكي. وتأمل كيف أن الرؤيا التي عبرها يوسف لم تكن مجرد خلاص فردي، بل كانت خلاصاً لأمة كاملة، مما جعل الملك نفسه يطلب حضور يوسف شخصياً.
التناسب الدقيق بين الطلب الملكي ورد يوسف:
الملك قال: {ائْتُونِي بِهِ} مسرعاً مشتاقاً، ولو كان غير يوسف من أهل النفوس العاجلة لبادر إلى الخروج فوراً ليتخلص من ظلمة السجن ومرارته بعد سنين طويلة؛ ولكن يوسف قيد خروجه بشرط التحقيق القضائي والعلني: {ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ}. وهذا يدل على أن الحفاظ على نقاء السيرة وسلامة العرض عند الأنبياء مقدم على الحرية الجسدية الموهوبة بعفوٍ سلطاني قد تلوكه الألسن.
تسمية الملك رباً لسيده:
قول يوسف للرسول: {ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ} فيه دقة سياقية بالغة؛ إذ لم يقل له: ارجع إلى "ربنا"، بل نسبه إلى الرسول لأن أهل مصر كانوا يتخذون ملوكهم أرباباً وأسياداً، وفيه أيضاً إشارة إلى أن يوسف لا يدين بربوبية الملك، بل ربه الحقيقي هو الله كما صرح في ختام الآية: {إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة التأخر في الاستجابة للدعوة الملكية:
قد يظن متوهم أن امتناع يوسف من الخروج ومراجعته للملك فيه سوء أدب مع الملك أو تفويت لفرصة النجاة؛ والجواب العقلي المحكم: أن يوسف عليه السلام نبي كريم ينظر بنور الله ويدرك مآلات الأمور؛ فلو خرج بعفوٍ مجرد لبقي في نفوس الناس والوزراء أن هذا الفتى العبراني دخل السجن في جريمة خيانة وخُدش عرضه، وأنه إنما أخرجه الملك لحاجته لتأويل الرؤيا، فيظل موضع طعن وريبة ومذمة. فأراد يوسف أن يقطع دابر القيل والقال، وأن يدخل البلاط الملكي ناصع الجبين بصفة الطاهر الأمين المحكوم ببراءته من لدن خصومه أنفسهم.
بيان حديث: «لو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي»:
تأول بعض المشككين هذا الحديث النبوي الشريف على أنه غض من قدر أحدهما؛ والتحقيق الذي أطبقت عليه أئمة المحققين (كالنووي وابن حجر والقرطبي) أن هذا من باب تواضع النبي صلى الله عليه وسلم وهضمه لنفسه الشريفة، وبيان عظيم صبر يوسف وتثبته وكمال كرمه؛ فالمعنى: أن البشر بطبائعهم يضيقون بطول الحبس ويتعجلون الفرج، وصبر يوسف على البقاء في السجن متثبتاً حتى تظهر براءته هو الغاية القصوى في الثبات ورباطة الجأش وقوة النفس.
البلاغة النبوية في الإيجاز وصيانة الأعراض:
عدول يوسف عن ذكر امرأة العزيز مباشرة، والالتجاء إلى التعبير بالنسوة: {مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} فيه ثلاث دقائق بلاغية:
صيانة حرمة البيت الذي آواه وعاش فيه طويلاً، فلم يشأ أن يرمي امرأة سيده بالسوء ابتداءً.
استدعاء الواقعة الأشهر والأشنع التي لا يمكن التستر عليها؛ لأن تقطيع الأيدي بحضرة جمع من نساء الأشراف كان حادثة عامة مشهودة لا تقبل الإنكار.
حصر دائرة الاستدعاء في الشاهدات المحايدات، لأن شهادة النسوة -وهن صواحبها- أبلغ في إثبات براءته من مجرد شهادة امرأة العزيز وحدها لو أنكرت.
التذييل في قوله: {إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ}:
تذييل يحمل معنى التفويض التام لله تعالى والتحذير المستتر؛ ففيه طمأنينة ليوسف بأن الله الذي يعلم خفايا الكيد هو الذي سيتولى إحقاق الحق وإبطال الباطل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قيمة نقاء السمعة وبراءة العرض عند أهل الحق والدعوة:
الداعية إلى الله، والعالم، والمصلح، لا ينبغي له أن يرضى بالبراءة الغامضة أو العفو الناقص الذي تبقي وراءه ظلال الشكوك؛ بل عليه أن يسعى لتجلية الحقائق وإزالة الشبهات عن نفسه ودعوته مهما كلفه ذلك من مشقة وتأخير في حظوظه الشخصية؛ لأن تدنيس سمعة الداعية يصد الناس عن قبول الحق منه.
ضبط النفس عند هبوب رياح الفرج والتمكين:
أعظم مواقف الرجولة والإيمان تظهر عند توالي البشارات؛ فيوسف عليه السلام لم يطش لبه حين جاءه رسول الملك بالحرية، ولم ترتعش قدماه عجلة وخوفاً من فوات الفرصة، بل ثبت ثبوت الجبال الرواسي مطالباً بحقه المعنوي قبل حقه الجسدي.
المروءة والوفاء مع المحسن وإن أساء أهله:
حفظ يوسف جميل العزيز الذي قال لامرأته: {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ}، فلم يشهر به ولم يفضح حرمته عند الملك الأعلى، بل سلك مسلك الكرام في معالجة القضايا بأعف لسان وأطهر منطق.