إكرام يوسف لإخوته وحيلته لمعرفة شقيقه:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 164)مصدر غير محدد١٦/١٦٤ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والسدي: أن يوسف عليه السلام أكرم إخوته غاية الإكرام، وأنزلهم في دار الضيافة، وكال لهم الطعام حمولة عشرة أبعرة لكل رجل منهم بعير (إذ كان نظامه أن لا يعطي الرجل أكثر من وسق بعير منعاً للاحتكار)، وسألهم في أثناء الحديث عن شأنهم وبلدهم وأهلهم، فقالوا: نحن بنو رجل صالح بالشام هو نبي الله يعقوب، وكنا اثني عشر أخاً، فهلك منا واحد في البرية، وبقي أصغرنا عند أبيه يتسلى به ولا يطيق فراقه.
طلب يوسف إحضار بنيامين وترغيبه لهم:
فلما استوثق من خبر أخيه الشقيق بنيامين، تاقت نفسه لرؤيته وإخراجه من بينهم، فقال لهم: {ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ} لأرى صدقكم فيما ذكرتم، ورغبهم في العودة بذكره كرم ضيافته: {أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ}؛ أي أتم الكيل بلا بخس، وأحسن النزول والضيافة لكل من وفد عليّ.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
جَهَّزَهُم
التجهيز: إعداد ما يحتاج إليه المسافر من زاد ومتاع وآلة سفر؛ يقال: جهّز القوم إذا أصلح جهازهم وهيأه لهم.
بِجَهَازِهِمْ
الجهاز (بفتح الجيم وكسرها): ما يُحتاج إليه من المتاع والزاد والزاد المكيل.
أُوفِي
الإيفاء: الإتمام؛ أوفى الكيل إذا أتمه ولم ينقصه ولم يطفف فيه؛ وهو ضد البخس.
الْمُنزِلِينَ
جمع مُنزِل، وهو من يُنزل الضيف ويكرمه؛ من الإنزال والنزول، وخير المنزلين: أحسنهم ضيافة وقرىً للوفود.
وَلَمَّا جَهَّزَهُم
الواو عاطفة، "لما" حينية شرطية، "جهز" فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هو (يوسف)، والهاء مفعول به والميم للجمع، والجملة في محل جر بالإضافة لـ "لما".
بِجَهَازِهِمْ
جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ "جهز".
قَالَ ائْتُونِي
"قال" جواب الشرط لا محل له من الإعراب، وجملة "ائتوني" مقول القول.
بِأَخٍ
جار ومجرور متعلق بـ "ائتوني".
لَّكُم
جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لـ "أخ".
مِّنْ أَبِيكُمْ
جار ومجرور نعت ثان لـ "أخ"، و"أبيكم" مجرور بالياء لأنه من الأسماء الخمسة، والكاف مضاف إليه.
أَلَا تَرَوْنَ
"ألا" حرف استفتاح وتحضيض وتنبيه، "ترون" فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
الواو حالية أو عاطفة، "أنا" ضمير منفصل مبتدأ، "خير" خبر مرفوع، "المنزلين" مضاف إليه مجرور بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
السياسة النبوية العبقرية في التدرج والتحفيز:
جمع يوسف لإخوته بين الترغيب العملي السخي (إيفاء الكيل وحسن الضيافة) والتحفيز المستقبلي المشروط: {ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم}؛ ليدفعهم حتماً إلى إقناع أبيهم بإرسال شقيقه، فهو لم يستعمل القهر العسكري أو الإجبار الفج، بل استدرجهم بسلاسل الإحسان والعدل.
استعمال التودد لإحكام المحاورة:
قوله: {أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ} تذكير لهم بالواقع المشهود الذي عاينوه بأنفسهم؛ ليزرع في نفوسهم الطمأنينة الكاملة بأنه رجل عدل وضيافة، لا يُخشى غدره ولا يُخاف بأسه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة الامتنان المذموم في قوله {أَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ}:
قد يُظن أن ثناء يوسف على نفسه بإيفاء الكيل وحسن الضيافة فيه منّة أو كبر؛ والجواب العقلي المحكم: أن هذا القول صدر منه كحاكم ومسؤول يبرهن على سياسته العادلة، ترغيباً لهم في معاودة المجيء بأخيه، ولإثبات أن مصر واحة أمن وإكرام في زمن القحط واللصوصية، فالثناء هنا وسيلة مشروعة لتحقيق غاية نبيلة وحفظ عهد الأمان.
الاستفتاح بـ {أَلَا} التنبيهية:
أداة تنبيه تفيد إيقاظ الأذهان وتقرير الحقيقة؛ كأنه يقول: انظروا بأعينكم وتفكروا بعقولكم هل وجدتم أحداً يكيل لكم بمثل هذا الوفاء أو ينزلكم بمثل هذا الإكرام؟
دقة الوصف {بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ}:
لم يقل "بأخي" لئلا ينكشف أمره وتفسد خطته الحكيمة، بل قال: {بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ} مجاراة لكلامهم حين قالوا: إن لنا أخاً من أبينا تركه أبوه عنده.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الإحسان إلى من أساء إليك:
أعظم صور الشرف النبوي هو الإحسان إلى من تآمروا على حياتك؛ فيوسف يملأ رحالهم قمحاً ويطعمهم شهداً، في مقابل إلقائهم له في قعر البئر؛ وهذا درس بليغ في مقابلة الإساءة بالإحسان لإحياء القلوب الميتة.
أخلاق التجارة والمعاملات المالية في الإسلام:
إيفاء الكيل والميزان وإكرام النزيل من أصول المروءة وقواعد الشريعة؛ فبها تُبنى الثقة بين الشعوب وتنتعش الأسواق في أوقات الشدائد.