عتاب الإخوة لأبيهم وقلقهم على حياته:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 227)مصدر غير محدد١٦/٢٢٧ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك ومحمد بن إسحاق: لما رأى بنو يعقوب شدة حزنه وبكائه وانتحابه على يوسف بعد هذه السنين الطويلة، رقوا له وأشفقوا عليه من الهلاك، ولكنهم لاموه على إدامة هذا الحزن واستحضار ذكراه، فقالوا له مقسمين بالله: {تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ}.
تفسير معنى "تفتأ" وإضمار النفي:
قال الفراء والزجاج وابن كثير (4/ 416)مصدر غير محدد٤/٤١٦: «{تَفْتَأُ} معناه: لا تفتأ ولا تزال ولا تبرح؛ وحرف النفي (لا) مقدر ومحذوف لدلالة القسم والكلام عليه، كقول امرئ القيس: "فقلتُ يمينَ الله أبرحُ قاعداً" أي لا أبرح؛ فالمعنى: والله لا تزال تذكر يوسف في كل لحظة ولا تنساه قط».
تفسير معنى {حَرَضًا} في كلام السلف:
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «الحَرَض: الدَّنِف الذي أذابه الحزن وأشرف على الموت ففسد بدنه ولم يعد فيه نفع ولا حراك».
وقال قتادة ومجاهد: «الحرض: الهَرِم المشرف على الهلاك الذي سقطت قواه».
وقال ابن إسحاق: «الحرض: الفاسد الذي لا عقل له ولا حيلة فيه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تَفْتَأُ
من فتئ يفتأ؛ من أخوات كان التي تفيد الاستمرار وملازمة الخبر، ولا تعمل إلا مسبوقة بنفي لفظاً أو تقديراً؛ وحُذف النفي هنا لوقوعه بعد القسم.
حَرَضًا
الحَرَض (بفتح الحاء والراء): ما قارب الهلاك وأشرف عليه من شدة المرض أو الحزن فأصبح لا يصلح لشيء؛ ويستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد والجمع لأنه مصدر في الأصل.
الْهَالِكِينَ
جمع هالك، من الهلاك وهو الموت والفناء.
قَالُوا
فعل ماض والواو فاعل.
تَاللَّهِ
التاء حرف قسم وجر، واسم الجلالة مجرور بالتاء متعلق بفعل قسم محذوف.
"تذكر" فعل مضارع والفاعل مستتر أنت، "يوسف" مفعول به منصوب بالفتحة لمنعه من الصرف، وجملة "تذكر يوسف" في محل نصب خبر تفتأ، وجملة القسم وجوابها مقول القول.
حَتَّىٰ تَكُونَ
"حتى" حرف غاية وجر، "تكون" فعل مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة بعد حتى، واسمه ضمير مستتر تقديره أنت.
جار ومجرور في محل نصب خبر تكون، والمجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
حذف حرف النفي وبلاغة التكثيف:
حذف "لا" النافية من قوله: {تَفْتَأُ} للإيجاز البلاغي وثقةً بظهور المعنى في جواب القسم؛ وفيه إشارة إلى شدة ملازمتهم له وملاحظتهم لذكره الدائم ليوسف صباح مساء، حتى كأن النفي صار مستقراً في عقولهم لا يحتاج إلى لفظ.
التقسيم الواقعي للمآلات: إما العجز الدائم أو الموت:
قسم الإخوة عاقبة حزن أبيهم المفرط إلى مرحلتين لا ثالث لهما:
أن يصير {حَرَضًا}: طريح الفراش، فاقد القوى والإدراك من فرط الألم والإنهاك.
أن يصير {مِنَ الْهَالِكِينَ}: ميتاً يقضي عليه الحزن تماماً.
وهذا التقسيم يبرز خوفهم الحقيقي عليه ورغبتهم في انتشاله من هذا الغم المستديم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة قسوة الإخوة في مخاطبة أبيهم بهذا القسم:
قد يبدو كلام الإخوة فيه شيء من الحدة أو الضجر؛
ولكن التحقيق العقلي والنفسي:
أن مقالتهم كانت مزيجاً من الشفقة البالغة على حياة أبيهم والضيق من تجدد ذكر يوسف؛ فهم يرون أباهم يتآكل جسده وتبيض عيناه حزناً على غائب مضت عليه عقود ويئسوا من حياته، فكان لومهم دافعه محاولة إيقاظه من أسر هذه الذكرى المهلكة لإنقاذ ما تبقى من صحته وعمره.
التنكير في {حَرَضًا}:
تنكير للتهويل والفظاعة؛ أي تبلغ حالاً من التلف والفساد والذوبان الجسدي لا يوصف هوله.
التعبير بـ {مِنَ الْهَالِكِينَ} دون "تهلك":
لبيان دخوله في زمرة الموتى وانقطاع خبره من الأحياء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وفاء المحبين وثبات الذكرى في القلوب الحية:
مضت عشرات السنين، وتبدلت الأحوال، ويعقوب لم ينس ولده الحبيب يوسف لحظة واحدة؛ وهذا يعلمنا معنى الوفاء النبوي الأصيل، وأن الحب الصادق في الله لا تمحوه الأيام ولا تبدده صوارف الدهر.
الشفقة على المحزون ومحاولة التخفيف عنه:
مشروعية تنبيه المحزون المفرط في حزنه ونقله إلى واقع الحياة لئلا يقضي الحزن على بدنه ويخرجه عن الاستطاعة في عبادة ربه ونفع أهله.