دهشة الإخوة والتعرف على يوسف بعد طول الغياب:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 240)مصدر غير محدد١٦/٢٤٠ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك وابن إسحاق: لما سمع الإخوة كلامه بذكر يوسف وأخيه وجهلهم القديم، رفعوا أبصارهم إليه فتبينوا ملامحه وثناياه التي يعرفونها، ورأوا بنيامين جالساً إلى جواره معززاً مكرماً، فسقطت عقولهم دهشةً وقالوا مستفهمين ومصدقين في آن واحد: {أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ}؟!
فقال لهم بكل هدوء وتواضع نبوي: {أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي ۖ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا}.
القراءات المتواترة في {أَإِنَّكَ}:
قرأ أكثر القراء السبعة (نافع، عاصم، حمزة، الكسائي، أبو عمرو، ابن عامر) بهمزة الاستفهام للتقرير والتعجب {أَإِنَّكَ}، مع تسهيل الثانية أو تحقيقها أو الإدخال بألف بينهما بحسب رواياتهم وقواعدهم.
وقرأ ابن كثير وأبو جعفر ورويس عن يعقوب: {إِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ} بهمزة واحدة مكسورة على الإخبار والقطع؛ أي تيقنوا وعرفوا يقيناً أنه يوسف فقالوا إخباراً وتحقيقاً: إنك لأنت يوسف لا نشك فيك قط. والقراءتان متكاملتان: استفهام تعجب يقترن باليقين المشهود.
تفسير قاعدة النجاة الكبرى: {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}:
قال ابن كثير (4/ 419)مصدر غير محدد٤/٤١٩: «رد يوسف الفضل كله إلى الله تعالى؛ فلم يفخر بحيلته ولا بقوته، بل قال: {قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا} بالنجاة والملك وجمع الشمل؛ ثم أصل قاعدة كلية في الحياة والآخرة: أن من اتقى محارم الله في خلواته وعفته وصبر على أقداره ومصائبه وكيد أعدائه، فإن الله لا يضيع إحسانه، بل يجعل له العاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مَنَّ
المَنّ: الإنعام والإفضال العظيم بلا عوض ولا منّة من المخلوق؛ والله هو المنان سبحانه.
يَتَّقِ
التقوى: اجتناب المعاصي وفعل الطاعات خشيةً من الله.
وَيَصْبِرْ
الصبر: حبس النفس على ما تكره وتحمل المشاق ابتغاء مرضاة الله.
قَالُوا
فعل ماض والواو فاعل.
أَإِنَّكَ
الهمزة للاستفهام التعجبي والتقريري، "إن" حرف ناسخ والكاف اسمها (وعلى قراءة الإخبار: إنك بلا همزة).
لَأَنتَ
اللام المزحلقة، "أنت" ضمير فصل لا محل له (أو مبتدأ ثان).
يُوسُفُ
خبر إن مرفوع بالضمة (أو خبر أنت والجملة خبر إن)، والجملة مقول القول.
الواو عاطفة، "ها" للتنبيه، "ذا" اسم إشارة مبتدأ، "أخي" خبر المبتدأ مرفوع بضمة مقدرة والياء مضاف إليه.
قَدْ مَنَّ اللَّهُ
"قد" تحقيق، "منّ" فعل ماض، اسم الجلالة فاعل مرفوع بالضمة.
عَلَيْنَا
متعلق بـ "منّ".
إِنَّهُ
"إن" حرف ناسخ والهاء ضمير الشأن مبني في محل نصب اسمها.
مَن يَتَّقِ
"مَن" اسم شرط جازم مبني في محل رفع مبتدأ، "يتقِ" فعل مضارع مجزوم فعل الشرط بحذف حرف العلة والفاعل هو.
وَيَصْبِرْ
معطوف مجزوم بالسكون.
فَإِنَّ اللَّهَ
الفاء رابطة لجواب الشرط، "إن" واسمها.
لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
"لا" نافية، "يضيع" مضارع وفاعله هو، "أجر" مفعول به، "المحسنين" مضاف إليه مجرور بالياء، والجملة خبر إن، وجملة "فإن الله..." في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر المبتدأ "مَن"، وجملة الشرط والجواب في محل رفع خبر "إنّ" ضمير الشأن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إيجاز العظمة النبوية في {أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي}:
قمة البلاغة القرآنية؛ أربع كلمات ألغت ثلاثين عاماً من الفرقة والآلام والمؤامرات؛ فلم يقل: "أنا الملك العظيم الذي ألقيتموه في الجب"، بل قال بتواضع جم: {أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي}، مقرراً حقيقة الأخوة الصافية الجامعة، ومشيراً إلى شقيقه ليشركه معه في الكرامة والتمكين.
التوازن بين التقوى والصبر:
جمع يوسف بين ركني الفلاح: التقوى (ترك المعاصي في الرخاء والشدة، كعفته أمام امرأة العزيز) والصبر (تحمل المصائب في البلاء، كصبره في الجب والسجن)، فكان الجزاء التمكين المطلق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة الغرور بذكر النفس في قوله {أَنَا يُوسُفُ}:
قد يظن جاهل أن قوله "أنا يوسف" فيه مظهر من مظاهر الفخر الشخصي؛
والرد العقلي البدهي:
أن قوله هذا كان جواباً مطابقاً لسؤالهم المحض: {أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ}، فكان لا بد من الإقرار بالهوية لإزالة الشك، وأعقبها فوراً بإرجاع الفضل المطلق لله تعالى: {قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا}، فهضم نفسه واعترف بفضل ربه.
التوكيد بالضمائر في {لَأَنتَ يُوسُفُ}:
استعمال ضمير الخطاب "أنت" بعد "إنك" المقترن باللام المزحلقة؛ لبيان شدة الصدمة الذهنية، كأنهم لا يصدقون أعينهم وهم يرون ذلك الغلام الملقى في الجب صار ملك مصر المطاع.
صيغة العموم في {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ}:
رفع التجربة الفردية إلى قانون كوني مطرد لكل مؤمن إلى قيام الساعة؛ فليس هذا الجزاء خاصاً بيوسف وحده، بل هو لكل من سلك سبيله في التقوى والصبر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
رد الفضل والنعمة إلى المنعم سبحانه:
أدب المؤمن الصادق إذا نال منصباً أو جاهاً أو خرج من محنة إلى منحة أن يقول: {قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا}؛ فلا ينسب الفضل لذكائه ولا لسعيه، بل لرحمة ربه وتوفيقه.
حتمية النصر لأهل التقوى والصبر:
قاعدة ربانية لا تتخلف: لن تجني التقوى والصبر إلا العز والتمكين في الدنيا وحسن الثواب في الآخرة؛ فمن أراد رفعة الدرجات فليصبر على لواعج المحن ويتقِ الله في الخلوات.