اعتراف الإخوة الصريح بفضل يوسف وخطيئتهم العظيمة:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 243)مصدر غير محدد١٦/٢٤٣ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك وابن إسحاق: لما بهرهم كرم يوسف وتواضعه وبيانه الباهر، استسلم إخوته استسلاماً كاملاً وسقطت كل دفاعات الكبرياء والإنكار، وأقسموا بالله يميناً بارّة معترفين بفضله عليهم ومقرين بجنايتهم القديمة قائلين: {تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ}.
تفسير قوله: {لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا}:
قال ابن كثير (4/ 419)مصدر غير محدد٤/٤١٩: «الإيثار: التفضيل والاختيار؛ أي لقد فضلك الله علينا واختارك بالنبوة، والعلم، والحكم، والملك، والجمال، والصبر، ومكارم الأخلاق، وبسطة اليد، ونحن كنا نريد خفضك وإذلالك بالجب والرق، فأبى الله إلا أن يرفعك ويؤثرك علينا، وهذا اعتراف منهم بالحق ورجوع إلى الصواب».
الفرق بين "الخاطئ" و"المخطئ" في قوله: {وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ}:
قال القرطبي (9/ 249)مصدر غير محدد٩/٢٤٩: «الخاطئ: من تعمد الذنب والإثم عن قصد وإرادة، مأخوذ من خَطِئ يخطأ خطأً فهو خاطئ؛ وأما المخطئ: فهو من أراد الصواب فوقع في غيره بلا قصد، من أخطأ يخطئ إخطاءً؛ فاعترف الإخوة بأنهم كانوا متعمدين للذنب والخطيئة في حق يوسف وأبيه ولم يكونوا معذورين بغفلة أو نسيان، وهذا أعلى مراتب الاعتراف بالتوبة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
آثَرَكَ
من الإيثار، وهو التفضيل والتقديم واختيار الشيء على غيره؛ يقال: آثره بكذا إذا خصه وفضله به.
لَخَاطِئِينَ
جمع خاطئ؛ من الخطيئة وهي الذنب المتعمد العظيم.
قَالُوا
فعل ماض والواو فاعل.
تَاللَّهِ
التاء حرف قسم وجر واسم الجلالة مجرور، والجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف.
لَقَدْ آثَرَكَ
اللام واقعة في جواب القسم، "قد" تحقيق، "آثر" فعل ماض والكاف مفعول به مقدم.
اللَّهُ
اسم الجلالة فاعل مؤخر مرفوع بالضمة.
عَلَيْنَا
متعلق بـ "آثرك"، وجملة القسم وجوابه مقول القول.
وَإِن كُنَّا
الواو حالية، "إن" هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف (أو مهملة)، "كنا" فعل ماض ناسخ و"نا" اسمها.
لَخَاطِئِينَ
اللام هي اللام الفارقة بين إن النافية والمخففة، "خاطئين" خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الاعتراف المزدوج: فضل الله وجناية النفس:
جمع الإخوة في هذه الآية بين ركني التوبة الصادقة والإنصاف:
الإقرار بفضل الله واصطفائه ليوسف: {لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا}.
الإقرار الصريح بظلمهم لأنفسهم ولأخيهم بلا تبرير ولا التواء: {وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ}.
المقابلة التامة مع مكرهم القديم:
أرادوا سابقاً إخلاء وجه أبيهم لهم بقتل يوسف أو طرحه أرضاً، فكانت العاقبة أن نال يوسف شرف الدنيا والآخرة، وجاءوا هم صاغرين يقسمون أن الله آثره عليهم؛ ليتحقق قوله تعالى: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة عدم قبول توبة المتعمد في الخطيئة:
بين القرآن أن اعترافهم بكونهم "خاطئين" لم يمنع قبول توبتهم؛ فرحمة الله ومغفرته تسع كل ذنب وإن تعمده العبد إذا أقبل بالندم الصادق ورد المظالم واستسمح المظلوم كما فعل بنو يعقوب.
التوكيدات المتتابعة في القسم:
القسم بالتاء، واللام، وقد، واللام الفارقة؛ للدلالة على رسوخ يقينهم بفضل يوسف وانقشاع كل أثر للشك والضغينة القديمة من صدورهم.
البلاغة في التعبير بـ {آثَرَكَ اللَّهُ}:
إسناد الإيثار إلى الله تعالى اعتراف منهم بالقدر والحكمة الإلهية؛ فالفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شجاعة الاعتراف بالفضل لأهله:
من كمال الرجولة والمروءة والإنصاف أن يعترف الإنسان بفضل من تفوق عليه في الدين والعلم والخلق، وأن يقر بذنبه إن أساء إليه دون استكبار.
التوبة النصوح تمحو ما قبلها:
الاعتراف بالخطأ وتسمية الأمور بمسمياتها الصريحة {وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ} هو الباب الأوسع لمغفرة الذنوب وعودة الود المفقود.