التعقيب الإلهي على قصة يوسف وبرهان صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 271)جامع البيانالطبري١٦/٢٧١ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك والسدي وابن إسحاق: لما فرغ الله تعالى من قص قصة يوسف وإخوته وأبيه بكل دقائقها وأسرارها ومحاوراتها الخفية، قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ}؛ أي هذا النبأ العظيم والقصص الحق إنما هو من أخبار الغيب المتقادمة التي طواها الزمان ولا يعلمها إلا الله ومن علمه من رسله، أوحيناه إليك يا محمد بالحق والصدق.
تفسير قوله: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 426)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٢٦: «يقول تعالى: وما كنت يا محمد حاضراً عندهم ولا مشاهداً لهم في أرض كنعان حين عزم إخوة يوسف وتوافقوا وأجمعوا رأيهم على إلقائه في غيابة الجب وهم يمكرون به وبأبيه، ولكن الله أطلعك على ذلك وعلمك إياه بوحيه المعصوم؛ ليكون ذلك حجة وبرهاناً قاطعاً على نبوتك وصدق رسالتك لقريش واليهود الذين سألوك عن شأن يوسف امتحانًا لك».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أَنبَاءِ
جمع نبأ، والنبأ: الخبر العظيم الشأن ذو الفائدة الكبيرة.
الْغَيْبِ
ما غاب عن الحواس وعن المشاهدة المباشرة ولم يُعلم إلا بالوحي.
أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ
الإجماع: العزم المصمم والاتفاق؛ يقال: أجمع أمره على كذا إذا أحكم عزيمته وصار أمراً مجتمعاً لا تردد فيه.
اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد والكاف للخطاب.
مِنْ أَنبَاءِ
جار ومجرور في محل رفع خبر المبتدأ، و"أنباء" مضاف.
الْغَيْبِ
مضاف إليه مجرور بالكسرة.
نُوحِيهِ
فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة والفاعل مستتر تقديره نحن، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة في محل نصب حال من "أنباء الغيب" (أو خبر ثان لـ ذلك).
إِلَيْكَ
متعلق بـ "نوحيه".
وَمَا كُنتَ
الواو حالية أو عاطفة، "ما" نافية، "كنت" فعل ماض ناسخ والتاء اسمها.
لَدَيْهِمْ
ظرف مكان مبني على السكون في محل نصب خبر كان، والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
إِذْ أَجْمَعُوا
"إذ" ظرف زمان لما مضى متعلق بالاستقرار في "لديهم"، "أجمعوا" فعل ماض وفاعله، وجملة "أجمعوا" مضاف إليها لـ "إذ".
أَمْرَهُمْ
مفعول به منصوب والهاء مضاف إليه.
وَهُمْ يَمْكُرُونَ
الواو حالية، "هم" ضمير منفصل مبتدأ، وجملة "يمكرون" خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة في "أجمعوا".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من مساق القصة إلى مقام البرهان على الرسالة:
هذا التخلص البديع هو السمة القرآنية الكبرى في القصص النبوي؛ فالقرآن لا يروي التاريخ لمجرد التسلية والتشويق، بل يربطه فوراً بالدعوة والتوحيد وإثبات الوحي؛ فجاءت الآية لتقطع دابر شكوك مشركي مكة واليهود؛ إذ كيف لرجل أمي لم يقرأ كتاباً ولم يخالط أحباراً أن يأتيهم بتفاصيل هذه القصة التي يجهلها كبار علمائهم إلا بوحي من علام الغيوب؟
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة استقاء النبي صلى الله عليه وسلم القصة من أهل الكتاب:
زعم المستشرقون والملاحدة أن النبي صلى الله عليه وسلم تعلم قصة يوسف من بحيرا أو من يهود المدينة؛
والجواب العقلي والتاريخي الساطع:
أن السورة مكية نزلت بمكة قبل الهجرة إلى المدينة ومخالطة أحبار اليهود.
أن قريشاً سألت اليهود عن سؤال يعجز النبي، فأمروهم بسؤاله عن خبر يوسف، فنزلت السورة مفصلة متفوقة على أسفار التوراة ومصححة لما فيها من أخطاء وتحريفات وتناقضات تاريخية وأخلاقية؛ فلو كان أخذها عن معلم بشري لفضحه أهل مكة واليهود في حينه ولما كان ذلك معجزاً لهم.
أن النظم القرآني وتفاصيل المشاعر الباطنة ككتمان يوسف لحديث السرقة ومناجاة يعقوب لا وجود لها في أي كتاب قديم، بل هي تفاصيل غيبية لا يعلمها إلا الله.
اسم الإشارة {ذَٰلِكَ} للتعظيم:
الإشارة إلى المتقدم باسم الإشارة للبعيد لإعلاء شأن القصة وتفخيم ما انطوت عليه من العبر والدروس الربانية.
الجملة الحالية {وَهُمْ يَمْكُرُونَ}:
تصوير لأدق خلجات نفوسهم في ساعة التآمر في بطن الصحراء؛ مما يؤكد أن علام الغيوب هو الذي ينقل هذا المشهد الخفي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين بمصدرية القرآن الكريم:
القصص القرآني صرح إيماني يرسخ يقين المسلم بأن هذا الكتاب وحي منزل من عند الله، لا مجال فيه للوضع البشري ولا للتزييف.
مكر البشر لا يغلب قدر الله:
مهما أجمع الخصوم أمرهم ومكروا بالدعاة والمصلحين في خفاء، فإن الله مطلع على مكرهم، وسيحول مكرهم إلى نصر وتمكين لأوليائه كما فعل بيوسف.