وصول البشير بالقميص وارتداد البصر في الحال:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 254)مصدر غير محدد١٦/٢٥٤ وابن أبي حاتم عن ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، والضحاك، والسدي: لما انتهت العير إلى الدار، تقدم البشير وهو يهوذا بن يعقوب، وكان هو الذي حمل القميص الملطخ بالدم الكذب في صغره إلى أبيه، فقال: أنا الذي أحزنته بحمل القميص الأول وأنا الذي أفرحه بحمل القميص الثاني تكفيراً عن ذنبي؛ فلما دخل ألقى القميص الشريف على وجه يعقوب، فمس عينيه ووجهه، فارتد في اللحظة والطرف بصيراً كما كان صحيحاً نافذ الرؤية!
تذكير يعقوب بفضل علمه بالله ويقينه السابق:
أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: لما عاد إليه بصره ورأى ولده وأهله، التفت إلى الحاضرين الذين خطأوه قبل قليل وقال لهم بلسان العزة الإيمانية والشكر لله: {أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} في الآية (86) حين قلت لكم: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون، وأن رؤياه ستتحقق لا محالة؟ فها هو موعود الله قد تجلى عياناً لا ينكره أحد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الْبَشِيرُ
فعيل صيغة مبالغة للمبشر بالخير والسرور؛ وهو من يسبق القوم بالبشارة.
أَلْقَاهُ
الإلقاء: الطرح والوضع برفق وسرعة؛ ألقى الثوب على وجهه إذا غطاه به.
فَارْتَدَّ
الارتداد: الرجوع والتحول السريع إلى الحالة الأولى؛ ارتد بصيراً: رجع مبصراً زائل العلة.
فَلَمَّا
الفاء استئنافية، "لما" حينية شرطية.
أَن
حرف زائد لتوكيد الاتصال والسرعة (أو مخففة من الثقيلة).
جَاءَ الْبَشِيرُ
فعل ماض والفاعل مرفوع، والجملة مضاف إليها لـ "لما".
أَلْقَاهُ
جواب شرط "لما" لا محل له من الإعراب. "ألقى" فعل ماض والفاعل مستتر (البشير)، والهاء مفعول به أول تعود على القميص.
عَلَىٰ وَجْهِهِ
جار ومجرور متعلق بـ "ألقاه"، والهاء مضاف إليه (وجه يعقوب).
فَارْتَدَّ
الفاء عاطفة تفيد السرعة والتعقيب المباشر، "ارتد" فعل ماض ناسخ (أو تام)، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (يعقوب).
بَصِيرًا
حال منصوبة بالفتحة (أو خبر ارتد إذا كانت ناقصة بمعنى صار).
تقدم إعرابها نظير الآية (86)، والجملة مقول القول لـ "أقل".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
زيادة {أَن} بعد {لَمَّا} ودلالتها الإعجازية:
دخول "أن" الزائدة بعد "لما" في قوله: {فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ} يفيد في بلاغة القرآن المباغتة وشدة سرعة وقوع الحدث؛ أي بمجرد أن وطئت قدم البشير العتبة وألقى القميص، ارتد بصيراً دون أدنى مهلة أو تراخٍ.
الفاء التعقيبية في {فَارْتَدَّ بَصِيرًا}:
الفاء تفيد المباشرة الفورية؛ فلم يتطلب الشفاء علاجاً تدريجياً ولا أياماً للنقاهة، بل عادت عيناه حادتين في لحظة ملامسة القميص لكرامة يوسف عند ربه.
التذكير بالبصيرة القلبية قبل البصيرة الحسية:
قول يعقوب: {أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} يبين أن بصيرة قلبه وإيمانه بربه كانت أسبق وأقوى من بصر عينيه؛ فرجوع بصره الحسي كان تصديقاً لبصيرته الإيمانية التي لم تنطفئ قط.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة المبالغة في الفرح والتشفي في قول يعقوب:
قد يظن ظان أن في قول يعقوب شيئاً من المباهاة والتشفي؛
والرد العقلي والأخلاقي:
أن مقالة يعقوب كانت حكماً تربوياً ربانياً لازماً لتعليم أولاده وأهله خطورة التكذيب بحقائق الغيب وسوء الظن بالله؛ وتذكيراً لهم بأن فضل الله أعظم من حساباتهم القاصرة، ليرسخ في قلوبهم عقيدة التوكل المطلق والتسليم للوحي.
البلاغة في التعبير بـ {ارْتَدَّ} دون "صار":
الفعل "ارتد" يدل على رجوع الشيء إلى أصله الفطري السليم؛ فبصره الطبيعي كان محبوساً بسبب غشاوة الحزن، فارتد حراً طليقاً بمجرد زوال الغم.
الاستفهام التقريري {أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ}:
استفهام يفيض بالهيبة والوقار؛ يثبت صدق قوله القديم ويدعوهم إلى الخضوع والانقياد لحكمة الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
حلاوة العاقبة ولذة انتصار الصابرين:
تلك هي لحظة التتويج العظمى للصبر الجميل؛ فما أعظم فرحة العبد حين يرى موعود الله يتحقق أمام عينيه بعد عقود من المكابدة؛ فتتحول كل دموع الصبر إلى أنهار من الشكر والحمد.
فضل كفارة الذنوب بالأعمال الصالحة المقابلة:
حرص يهوذا على أن يكون هو البشير الحامل لقميص الفرح كما كان حامل قميص الحزن يعلمنا أدب التوبة: أن يسعى المذنب في إصلاح ما أفسده وإدخال الفرح على من أحزنه بالأمس.