رفع الأبوين على العرش وسجود الأسرة تصديقاً للرؤيا:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 263)مصدر غير محدد١٦/٢٦٣ وابن أبي حاتم عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، والسدي، وابن إسحاق: لما دخل يوسف قصره ومجلس حكمه، أجلس أبويه معه على سرير ملكه وعرشه إعظاماً وإجلالاً لهما، فلما استقر بهما المجلس خرّ أبوه وخالته وإخوته الأحد عشر له سجداً تعظيماً لفضله وشكراً لنعمته عليهم؛ وكان عددهم أحد عشر رجلاً وأبوين، فتطابق العدد مع رؤياه الأولى تماماً: {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}.
تحقيق مسألة السجود في الشرائع السماوية ونسخه في الإسلام:
أجمع أئمة التفسير والسنة والفقهاء (الطبري، القرطبي، ابن كثير، ابن تيمية) على أن السجود المذكور هنا:
كان سجود تحية وتكريم وإعظام وسلام: لا سجود عبادة؛ كالسجود للملوك عند التحية، ونظير سجود الملائكة لآدم تكريماً له وامتثالاً لأمر الله.
كان هذا السجود مباحاً وجائزاً في شرائع الأنبياء المتقدمين: ومأذوناً به في شريعة يعقوب وآل إبراهيم.
حُرّم ونُسخ تحريماً باتاً في شريعة الإسلام الخاتمة: فلا يحل في دين محمد صلى الله عليه وسلم أن يسجد مخلوق لمخلوق قط، لا تحية ولا عبادة؛ أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث قيس بن سعد ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ، لَأَمَرْتُ المَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا لِعِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا». وروى الإمام أحمد وغيره: «لا يصلح السجود إلا لله رب العالمين».
الأدب النبوي العجيب في سرد النعم:
قال ابن كثير (4/ 425)مصدر غير محدد٤/٤٢٥: «انظر إلى كمال مروءة يوسف وأدبه النبوي الباهر في كلامه:
قال: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ} ولم يقل "أخرجني من الجب"؛ كراهة أن يُخجل إخوته ويذكّرهم بصنيعهم القبيح أمام والديه، فستر عليهم ستراً جميلاً وعطف على السجن الذي لم يكن فيه لإخوته يد مباشرة.
قال: {مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي}؛ فنسب الفعل الخبيث إلى الشيطان، وبرأ إخوته وجعل نفسه معهم في مكر الشيطان ووسوسته تلطفاً وتطييباً لقلوبهم».
تفسير {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ}:
قال السعدي في تفسيره (ص: 405)مصدر غير محدد٤٠٥: «اللطيف: هو الذي يُوصل بره وإحسانه إلى عبده بألطف الوجوه وأخفاها من حيث لا يشعر؛ فيسوق إليه المكروه والمحنة ليجعله سبباً لأعظم المنح والمنازل العالية؛ فألقي في الجب وبيّع رقيقاً وسُجن بضع سنين، وكانت هذه الشدائد كلها سلالم ارتقى بها إلى الملك والنبوة وجمع الشمل».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الْعَرْشِ
العرش: سرير الملك وسلطان الحكم؛ مأخوذ من العَرْش وهو الارتفاع والبناء.
وَخَرُّوا
الخرور: السقوط والنزول السريع إلى الأرض بقصد الخضوع والسجود؛ يقال: خر ساجداً.
نَزَغَ
النزغ: الدخول بين المتواخيين أو المتصادقين بالإفساد والوسوسة والإغواء؛ ومنه نزغات الشيطان.
لَطِيفٌ
فعيل صيغة مبالغة من اللطف، وهو العالم بدقائق الأمور الذي يوصل الخير إلى مستحقيه برفق وخفاء.
وَرَفَعَ
الواو عاطفة، "رفع" فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو (يوسف).
أَبَوَيْهِ
مفعول به منصوب بالياء لأنه مثنى والهاء مضاف إليه.
عَلَى الْعَرْشِ
متعلق بـ "رفع".
وَخَرُّوا
الواو عاطفة أو حالية، "خروا" فعل ماض والواو فاعل يعود على الأبوين والإخوة.
لَهُ
متعلق بـ "خروا" أو بـ "سجداً".
سُجَّدًا
حال منصوبة بالفتحة من الواو في "خروا".
وَقَالَ يَا أَبَتِ
"قال" فعل وفاعل، "يا أبتِ" منادى مضاف إلى ياء المتكلم المعوض عنها بتاء التأنيث المكسورة.
هَٰذَا تَأْوِيلُ
"ها" للتنبيه، "ذا" مبتدأ، "تأويل" خبر مرفوع بالضمة وهو مضاف.
رُؤْيَايَ
مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة والياء مضاف إليه.
مِن قَبْلُ
جار ومجرور مبني على الضم في محل جر متعلق بمحذوف حال من الرؤيا.
قَدْ جَعَلَهَا
"قد" تحقيق، "جعل" فعل ماض والفاعل مستتر يعود على ربي، والهاء مفعول به أول.
رَبِّي
فاعل مؤخر مرفوع بضمة مقدرة والياء مضاف إليه.
حَقًّا
مفعول به ثان منصوب لـ "جعل" (أو حال).
وَقَدْ أَحْسَنَ بِي
الواو حالية، "أحسن" فعل ماض والفاعل هو، "بي" متعلق بـ "أحسن".
إِذْ أَخْرَجَنِي
"إذ" ظرف زمان لما مضى متعلق بـ "أحسن"، "أخرج" فعل ماض والنون للوقاية والياء مفعول به والفاعل هو.
مِنَ السِّجْنِ
متعلق بـ "أخرجني".
وَجَاءَ بِكُم
معطوف على أخرجني.
مِّنَ الْبَدْوِ
متعلق بـ "جاء بكم".
مِن بَعْدِ
جار ومجرور متعلق بـ "جاء بكم".
أَن نَّزَغَ
"أن" مصدرية، "نزغ" فعل ماض، والمصدر المؤول في محل جر مضاف إليه لـ "بعد".
الشَّيْطَانُ
فاعل مرفوع بالضمة.
بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي
ظرفان متعلقان بـ "نزغ".
إِنَّ رَبِّي
"إن" واسمها.
لَطِيفٌ
خبر إن مرفوع بالضمة.
لِّمَا يَشَاءُ
اللام لتقوية التعدية، "ما" موصول صلتها "يشاء" في محل جر باللام متعلق بـ "لطيف".
إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
تقدم إعرابها نظير الآية (83).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إغلاق الدائرة السردية المعجزة بين الآية الرابعة والمائة:
تتجلى في هذه الآية ذروة الإحكام الهندسي للسورة القرآنية؛ فالرؤيا التي افتتحت بها القصة في الآية (4): {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}، تلتقي هنا بعد ست وتسعين آية بحقيقتها المشهودة: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا}؛ ليبرهن القرآن على أن وعد الله حق، وأن السنين الطوال لا تبطل وعد الوحي الصادق.
التدرج في عرض النعم وإخفاء المآسي:
تأمل كيف نسق يوسف خطابه؛ بدأ بالاعتراف بصدق الرؤيا، ثم ثنّى بفضل الخروج من السجن، ثم ثلث بنعمة مجيئهم من البدو واجتماع الشمل، وعزل الشيطان بالعداوة؛ فكان النظم يفيض بالسكينة والجمال والتسامي الأخلاقي المطلق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة إقرار السجود لغير الله في القرآن:
أثار بعض المشككين شبهة: كيف يسجد نبي الله يعقوب ليوسف؟
والجواب الأصولي والشرعي القاطع:
أن السجود نوعان: سجود عبادة وقربة وهو لا يجوز إلا لله في كل شريعة ومن لدن آدم إلى قيام الساعة؛ ومن صرفه لمخلوق فقد أشرك، وسجود تحية وإكرام وخضوع وهو الذي كان مباحاً في الشرائع السابقة منسوخاً ومحرماً في شريعتنا لحماية حمى التوحيد وسد ذرائع الشرك، فسجود يعقوب وبنيه كان تحية وتكريماً مأذوناً به في زمانهم، وقد كمل ديننا بتحريمه تعظيماً لجناب الربوبية.
دفع شبهة إغفال نعمة النجاة من الجب:
بين العلماء أن عدم ذكر يوسف للجب لم يكن نسياناً منه، بل كان عين الحكمة والبر والمروءة؛ لئلا يفتح باب الخجل والتوبيخ لإخوته في يوم فرحهم الأكبر، والحر الكريم لا يمتن على من أساء إليه بعد العفو عنه.
البلاغة الفائقة في التعبير بـ {نَزَغَ الشَّيْطَانُ}:
إسناد النزاع إلى الشيطان فيه تجريد لإخوته من قصد السوء وتصوير لهم كضحايا لمكر إبليس اللعين، وهو منتهى الرفق في معالجة الجراح الأسرية.
التذييل باسم الله {لَطِيفٌ}:
اختيار اسم "اللطيف" هنا هو التلخيص التام لكل أحداث سورة يوسف؛ فاللطف الإلهي هو الخيط الخفي الذي نسج من آلام الجب وغياهب السجن ثياب العز والملك والتمكين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
كمال البر بالوالدين عند نيل المناصب العليا:
يوسف ملك مصر رفع والديه على العرش الملكي وأجلسهما معه؛ ليعلم الناس أن رفعة المناصب لا ينبغي أن تزيد الإنسان إلا تواضعاً لوالديه وإجلالاً لهما.
حقيقة اللطف الإلهي في إدارة الأزمات:
ليطمئن قلب كل مؤمن مبتلى: إن الله يدبر لك بلطف خفي ما تعجز عنه عقول البشر، وما تراه اليوم شراً ومحنة قد يكون هو البوابة الكبرى لمنح لا تخطر على قلبك: {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ}.