حكمة يوسف في ترتيب التفتيش ودفع الريبة:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 202)جامع البيانالطبري١٦/٢٠٢ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك والسدي قالوا: لما اتفقوا على تحكيم شريعة آل يعقوب، أقبل يوسف عليه السلام بنفسه أو تولى أعوانه بأمره تفتيش الأمتعة، فبدأ بتفتيش أوعية الإخوة العشرة واحداً تلو الآخر قبل وعاء بنيامين؛ لئلا يُظن به تواطؤ أو اتهام مسبق؛ فكان يفتح وعاء الكبير ثم الذي يليه وهم يرجون أن لا يجدوا شيئاً، فلما فرغ من أوعيتهم ولم يجد فيها الصواع، فتح وعاء بنيامين آخر القوم، فاستخرج الصواع منه أمام أعينهم جميعاً!
فسقط في أيديهم، وخجلوا خجلاً شديداً، وأقبلوا على بنيامين يوبخونه، وهو ساكت لعلمه بسر الخطة.
معنى {كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 409)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٠٩: «{كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ}؛ أي: هذا الصنيع والتدبير اللطيف إنما كان بوحينا وتعليمنا ليوسف وتيسيرنا له، ليتوصل به إلى غرضه الصالح من غير إثم ولا ظلم؛ فسمّاه الله كيداً؛ لأن الكيد إذا كان بحق ولإحقاق الحق واستنقاذ المظلوم فهو حسن وممدوح، كما قال تعالى في موضع آخر: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا}».
بيان {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ}:
أخرج ابن جرير عن ابن عباس وقتادة: «دين الملك: سلطانه وقضاؤه وقانونه في أرض مصر؛ وكان حكم السارق في قانون ملك مصر أن يُضرب ويُغرَّم ضِعفي ما أخذ، ولم يكن في دينه استرقاق السارق، فلو حاكمهم يوسف إلى قانون مصر لما تمكن من حبس أخيه واسترقاقه عنده، ولكن الله ألهم الإخوة أن يفتوا بحكم شريعتهم هم، ليأخذه يوسف بحكمهم وبشريعة أبيهم يعقوب دون معارض».
القراءات المتواترة في {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ}:
قرأ الجمهور (نافع، عاصم، ابن كثير، ابن عامر، أبو جعفر): {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ} بتنوين "درجاتٍ" ونصب "مَن" على أنه مفعول به؛ أي نرفع منازل من نشاء بالعلم والحكمة.
وقرأ حمزة والكسائي وخلف العاشر وأبو عمرو ويعقوب: {نَرْفَعُ دَرَجَاتِ مَن نَّشَاءُ} بحذف التنوين على إضافة "درجات" إلى "مَن"، والمعنى: نرفع مراتب من نشاء في العلم والرتب.
معنى {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}:
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «يكون هذا أعلم من هذا، وهذا أعلم من هذا، والله فوق كل عالم، وهو العليم المطلق الذي لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أَوْعِيَتِهِمْ
جمع وِعاء، وهو الظرف والوعاء الذي يوعى ويُحفظ فيه الشيء من طعام أو متاع؛ مأخوذ من وعى يعي وعياً.
اسْتَخْرَجَهَا
السين والتاء للطلب والمبالغة في الإخراج؛ أي أخرج السقاية بعد تفتيش وتنقيب.
كِدْنَا
من الكيد؛ كاد يكيد كيداً، وهو في الأصل التدبير الخفي لإيصال المكروه، وإذا أسند إلى الله تعالى فهو تدبير خفي بالحق لإحقاق العدل ومجازاة المبطلين بأحسن الوجوه.
دِينِ الْمَلِكِ
الدين يطلق على الشرع والحساب والقضاء والقانون والسياسة والسلطان؛ والمراد هنا: قانون وقضاء مملكة مصر.
فَبَدَأَ
الفاء عاطفة، "بدأ" فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو (يوسف أو المفتش).
بِأَوْعِيَتِهِمْ
جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ "بدأ".
قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ
"قبل" ظرف زمان منصوب متعلق بمحذوف حال أو بـ "بدأ"، "وعاء" مضاف إليه مجرور، "أخيه" مضاف إليه مجرور بالياء لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء مضاف إليه.
ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا
"ثم" عاطفة تفيد التراخي والترتيب، "استخرج" فعل ماض والفاعل هو، والهاء مفعول به تعود على السقاية (أو الصواع لتأنيث اللفظ أحياناً).
مِن وِعَاءِ أَخِيهِ
متعلق بـ "استخرجها".
كَذَٰلِكَ
الكاف حرف تشبيه وجر، اسم الإشارة مجرور متعلق بمحذوف مفعول مطلق، تقديره: كيداً مثل ذلك كدنا ليوسف.
كِدْنَا لِيُوسُفَ
فعل ماض وفاعله "نا"، والجار والمجرور متعلق بـ "كدنا".
مَا كَانَ
"ما" نافية، "كان" فعل ماض ناسخ.
لِيَأْخُذَ أَخَاهُ
اللام لام الجحود لتوكيد النفي، "يأخذ" فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام الجحود، والفاعل هو، والمصدر المؤول في محل جر باللام وشبه الجملة متعلق بمحذوف خبر كان، واسم كان ضمير مستتر تقديره هو يعود على يوسف، "أخاه" مفعول به منصوب بالألف والهاء مضاف إليه.
فِي دِينِ الْمَلِكِ
متعلق بمحذوف حال من الفاعل أو المفعول، و"الملك" مضاف إليه.
إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ
"إلا" أداة حصر واستثناء، "أن" مصدرية، "يشاء" فعل مضارع واسم الجلالة فاعل، والمصدر المؤول في محل نصب على الاستثناء المنقطع أو المتصل.
نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ
فعل مضارع مرفوع والفاعل نحن، "درجاتٍ" مفعول به منصوب بالكسرة (أو مفعول مطلق)، وعلى قراءة الإضافة مفعول به مضاف.
مَّن نَّشَاءُ
"من" اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به (أو في محل جر مضاف إليه)، وجملة "نشاء" صلة الموصول.
وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
الواو استئنافية، "فوق" ظرف مكان منصوب متعلق بمحذوف خبر مقدم، "كل" مضاف إليه، "ذي" مضاف إليه ثان مجرور بالياء، "علم" مضاف إليه ثالث، "عليم" مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام الإخراج السردي والتشويق النفسي:
بدء التفتيش بأوعيتهم قبل وعاء أخيه يعكس قمة الذكاء الإجرائي؛ فلو بدأ بوعاء بنيامين لقالوا: "إنما قصدته وحدك لمعرفتك أو لاتفاق مسبق!"، فلما طاف على أوعيتهم وأفرغها واحداً تلو الآخر حتى تيقنوا من النجاة، انقضت الحيلة على الوعاء الأخير، فكانت الصدمة مضاعفة.
التذييل العقدي الباهر: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}:
جاء هذا التذييل تتويجاً لمشهد استعراض العلم والدهاء؛ فالإخوة دبروا وأحكموا الأيمان، ويوسف دبر كيده النبوي، ولكن الفاعل الأعظم والمدبر الأكبر والمهيمن المحيط هو الله العليم الذي علم يوسف ما لم يكن يعلم، وهو فوق كل عالم من خلقه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة الكيد المنسوب إلى الله تعالى:
قد يستشكل بعض الملاحدة: كيف ينسب الله الكيد لنفسه {كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ}؟
والجواب العقلي واللغوي الرصين:
أن الكيد في لسان العرب هو التدبير المحكم في خفاء؛ فإن كان لمكر وظلم وبغي فهو مذموم وقبيح، وإن كان لإحقاق حق وردع باطل وحفظ مظلوم وإعزاز نبي فهو حسن وكمال؛ والله سبحانه يسمى أفعاله بمثل هذه الأسماء في مقابلة مكر الظالمين جزاءً وفاقاً، فكيده سبحانه هو تدبيره البالغ بالعدل والرحمة.
دفع شبهة مخالفة يوسف لقانون البلد الذي يحكم فيه:
بين القرآن أن يوسف لم يخالف قانون مصر استبداداً أو عدواناً، بل تحاكم الإخوة طواعية إلى شريعة أبيهم، فكان التحكيم الرضائي نافذاً في القانون الدولي القديم، حيث يُترك الغرباء لقضاء ديانتهم إن ارتضوه.
البلاغة في تقديم الظرف {قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ}:
تأكيد نفي الريبة وإبراز دقة التفتيش المنظم الذي لا يترك مجالاً للظن الفاسد.
التنكير في {عَلِيمٌ}:
تنكير للتعظيم والاتساع؛ للدلالة على أن فوق كل ذي علم بشري عليمٌ أعلم منه، حتى ينتهي العلم كله إلى الله العليم الخبير المحيط بكل شيء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الأخذ بالحيطة ونفي مواطن الشبهات:
المصلح والقاضي لا يكتفي بنقاء سريرته، بل يحرص على اتخاذ الإجراءات الظاهرة التي تدفع التهم والقيل والقال عن مجلسه وتدبيره.
تواضع العلماء أمام كمال العلم الإلهي:
مهما بلغ الإنسان من الذكاء والعلوم والفقه والتخطيط، فليتذكر دائماً أنه قاصر، وأن فوقه من هو أعلم منه، وأن العلم المطلق لله وحده؛ فمن استشعر {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} زال من قلبه داء الكبر والعجب.