رد الحاضرين على يعقوب باللوم والإنكار:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 252)مصدر غير محدد١٦/٢٥٢ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك والسدي وابن إسحاق: لما سمع من كان حاضراً عند يعقوب في بيته من بني بنيه وأهله وقرابته مقالته: {إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ}، تعجبوا من قوله وظنوا أنه يتوهم ما لا حقيقة له، فأقسموا بالله في جوابه: {تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ}.
تفسير معنى "الضلال" هنا وتنزيهه عن الضلال الديني:
أجمع أئمة التفسير والسنة قاطبة (الطبري، ابن كثير، القرطبي، الشنقيطي) على أن "الضلال" في هذه الآية لا يعني ضلال الدين أو الشرك أو الكفر قط؛ فيعقوب نبي معصوم كريم؛ وإنما المراد:
الذهاب عن وجه الصواب في الإفراط في محبة يوسف ورجاء حياته بعد هذه السنين الطويلة التي هلك فيها أقرانه.
الخطأ في التقدير الحسي لظنهم استحالة بقائه حياً، كقوله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ} أي غافلاً عن الشرائع فعلمك.
قال ابن عباس وقتادة وسعيد بن جبير: «{لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ}؛ أي في خطئك القديم وحبك المفرط القديم ليوسف الذي لا تنساه ولا تسلو عنه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تَاللَّهِ
قسم مغلظ بالتاء تقدم بيانه.
ضَلَالِكَ
الضلال في أصل اللغة: الذهاب عن الطريق المستقيم والغياب والاضمحلال؛ ويطلق على المحبة الشديدة التي تستغرق القلب كقول الشاعر: (هذا الضلالُ وتلك فِتنةُ قلبِه).
الْقَدِيمِ
المتقادم في الزمان؛ والمراد به شأنه القديم منذ طفولة يوسف قبل عقود.
قَالُوا
فعل ماض والواو فاعل.
تَاللَّهِ
التاء حرف قسم وجر واسم الجلالة مجرور، متعلق بفعل قسم محذوف.
إِنَّكَ
اللام واقعة في جواب القسم أو إن ناسخة والكاف اسمها.
لَفِي ضَلَالِكَ
اللام المزحلقة، "في ضلالك" جار ومجرور ومضاف إليه في محل رفع خبر إن.
الْقَدِيمِ
نعت لـ "ضلالك" مجرور بالكسرة، وجملة القسم وجوابه مقول القول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إبراز قمة المفارقة بين الوهم البشري والحقيقة الربانية:
تصور الآية قمة الجهل البشري بحقائق القدر؛ فالقوم يقسمون بالله أنه في ضلال وخطأ قديم، بينما البشير الحقيقي يركض على بعد فراسخ قليلة حاملاً قميص الشفاء! فما أجهل الإنسان بما يخبئه الغيب وما أعجل حكمه بالظنون الفاسدة.
التوكيدات المغلظة في خطاب القوم:
القسم بالتاء، و"إنّ"، واللام المزحلقة، و"في" الدالة على الانغماس والظرفية؛ للدلالة على شدة استقرار هذا الظن الخاطئ في نفوسهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة الإساءة والردة في رمي النبي بالضلال:
قد يستعظم قارئ هذه العبارة ويظنها كفراً أو عقوقاً فاحشاً؛
والجواب العقلي واللغوي:
أن الكلمة كانت تجري في عرف ذلك الزمان مجرى التعجب والتهوين من شأن التمسك بأمل مستحيل في نظرهم، كقول الأم لولدها: "أنت في خيالك القديم"؛ ولم يكن مقصودهم الطعن في نبوته أو عدالته؛ ولو علموا أنه يشم ريح الجنة وحقيقة يوسف لما قالوا ذلك، ولكنهم قالوه بناءً على الحسابات الظاهرة للعادة البشرية.
استعمال حرف الظرفية {فِي}:
{لَفِي ضَلَالِكَ}: يفيد إحاطة هذا الحب والتعلق بكيانه إحاطة الظرف بالمظروف، مما يدل على أن ذكر يوسف كان مستوعباً لكل تفاصيل حياة يعقوب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
غربة الصادقين في مجتمعاتهم عند استشراف الفرج:
غالباً ما يُتهم أصحاب البصائر النافذة بالخبال والضلال والرجعية حين يرون بنور الله ما لا يراه غيرهم من الفرج القادم؛ فلا يضير المؤمن تكذيب القاصرين ما دام معتصماً بوعد ربه.
عاقبة الجزم بالأمور الغيبية بالظنون:
النهي عن القسم الجازم على تخطئة الآخرين في أمور لا يحيط الإنسان بعلمها؛ فكم من رأي استُهزئ به ثم صار هو عين الحقيقة الساطعة.