توبة الإخوة وطلبهم الشفاعة والاستغفار من أبيهم:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 256)مصدر غير محدد١٦/٢٥٦ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك وابن إسحاق: لما عاين بنو يعقوب هذه الآية الكبرى ورأوا أباهم قد ارتد بصيراً بالقميص، وعلموا صدق ما قاله عن يوسف، وسمعوا تذكيره لهم بعلمه بالله، تملكتهم الهيبة والخجل الشديد، وأيقنوا بعظيم جرمهم وسوء صنيعهم السابق، فجاؤوا إلى أبيهم خاضعين نادمين باكين، وقالوا: {يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ}.
تفسير طلب الاستغفار من الوالد:
قال ابن كثير (4/ 422)مصدر غير محدد٤/٤٢٢: «طلبوا من أبيهم نبي الله يعقوب عليه السلام أن يدعو الله لهم بالمغفرة ويمحو عنهم إثم ما فرطوا فيه في حقه وفي حق يوسف وشقيقه؛ لعلمهم أن ذنبهم تعلق بحق الوالد وحق الأخ، وأن دعاء الأنبياء والآباء مستجاب عند الله».
تكرار اعترافهم بالخطيئة المتعمدة: {إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ}:
قال القرطبي (9/ 252)مصدر غير محدد٩/٢٥٢: «كرروا وصف أنفسهم بأنهم كانوا خاطئين (أي متعمدين للإثم لا معذورين بجهل ولا خطأ)؛ استجلاباً لعطف الأب وإظهاراً لكمال الندم والتذلل بين يديه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
اسْتَغْفِرْ
السين والتاء للطلب؛ واستغفر الله له: طلب من الله أن يستر ذنبه ويتجاوز عنه ويعافيه من عقوبته.
ذُنُوبَنَا
الذنوب جمع ذنب، وهو الجرم المنهي عنه؛ مأخوذ من ذَنَب الدابة لأن عاقبته وخيمة كذَنَب يتبع صاحبه.
قَالُوا
فعل ماض والواو فاعل.
يَا أَبَانَا
منادى مضاف منصوب بالألف تقدم إعرابه.
اسْتَغْفِرْ
فعل دعاء ورجاء بصيغة الأمر مبني على السكون، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل مستتر تقديره أنت.
لَنَا
متعلق بـ "استغفر".
ذُنُوبَنَا
مفعول به منصوب بالفتحة و"نا" مضاف إليه، والجملة مقول القول.
إِنَّا
"إن" واسمها.
كُنَّا
فعل ماض ناسخ و"نا" اسمها.
خَاطِئِينَ
خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم، وجملة "كنا خاطئين" خبر إن، وجملة "إنا كنا..." تعليلية لطلب الاستغفار.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الندم المستوجب لطلب الشفاعة:
تناسب النظم القرآني دقيق جداً؛ ففي الآية (91) اعترفوا بالخطيئة أمام يوسف فقال لهم: {يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ}؛ وهنا اعترفوا بالخطيئة أمام الوالد وطلبوا استغفاره، لتكتمل دائرة التوبة برد المظالم واستحلال أصحاب الحقوق في الأرض قبل التوجه إلى السماء.
التوسل بنداء الأبوة {يَا أَبَانَا}:
تصدير الطلب بـ {يَا أَبَانَا} لاستدرار عاطفة الرحمة والأبوة الفطرية في قلبه؛ فالأب مجبول على الصفح عن ولده إن رآه نادماً منكسراً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة التوسل الشركي في طلب الاستغفار من يعقوب:
قد يستشكل جاهل بمسائل العقيدة: كيف يطلبون من يعقوب أن يستغفر لهم ولم يستغفروا هم بأنفسهم؟
والجواب العقلي والشرعي السلفي الحاسم:
أن هذا من باب طلب الدعاء من الرجل الصالح الحي الحاضر صاحب المظلمة، وهو جائز ومستحب ومشروع بإجماع المسلمين؛ كما كان الصحابة رضي الله عنهم يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم الاستغفار لهم في حياته: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا}؛ فلما كان يعقوب هو المظلوم المكلوم، كان لدعائه واستغفاره أثر عظيم في قبول التوبة وإسقاط التبعة.
إضافة الذنوب إليهم {ذُنُوبَنَا}:
تحمل المسؤولية الجنائية الكاملة بلا مراوغة ولا تبرير ولا إلقاء للوم على الظروف؛ وهو أدب التائب الصادق.
التعليل بـ {إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ}:
جملة مؤكدة بـ "إنّ" واسميتها؛ لبيان أن طلب الاستغفار ناشئ عن اعتراف قاطع بالذنب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
أصول التوبة من حقوق العباد:
التوبة من الذنوب المتعلقة بالعباد لا تصح بمجرد الاستغفار اللساني، بل لا بد من الاعتذار لصاحب المظلمة واستسماحه وإرضائه؛ فبادر الإخوة إلى استرضاء والدهم واستنزال دعائه.
بركة دعاء الوالدين للأبناء:
دعاء الوالد لولده مستجاب؛ ومن أعظم نعم الله على الأبناء استغفار آبائهم الصالحين لهم وتجاوزهم عن زلاتهم.