مفاجأة العثور على البضاعة في الرحال:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 175)مصدر غير محدد١٦/١٧٥ وابن أبي حاتم عن قتادة والسدي ومحمد بن إسحاق: بينما هم يراجعون أباهم في شأن بنيامين وهو يمتنع ويذكرهم بيوسف، أقبلوا على تفريغ أحمالهم وفتحوا أوعيتهم ومتاعهم، ففوجئوا ببضاعتهم وثمن طعامهم موضوعاً في قعر الرحال كما هو لم ينقص منه درهم!
استثمار الإخوة للمفاجأة لإقناع أبيهم:
لما رأوا ذلك، استبشروا استبشاراً عظيماً وعادوا إلى أبيهم بأقوى حجة مادية تدل على كرم العزيز ونزاهته ورغبته في إكرامهم، فقالوا: {يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي}؛ أي أي شيء نطلب ونريد وراء هذا الكرم الباهر والفضل العظيم؟ لقد استوفى لنا الكيل كاملاً، ثم تفضل برد ثمننا إلينا، {هَٰذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا}، فهيا أرسل معنا أخانا لنتقوى به، {وَنَمِيرُ أَهْلَنَا} أي نجلب لهم الميرة والطعام، {وَنَحْفَظُ أَخَانَا} في سفرنا وإيابنا، {وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ} يخصه به الملك؛ لأن الملك يعطي لكل رجل حمل بعير، {ذَٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ} على الملك لوفور خزائنه وسعة عطائه.
توجيه معنى {مَا نَبْغِي} في كلام السلف:
اختلف أئمة التفسير في "ما" على قولين معتبرين:
أنها استفهامية للإنكار والتفخيم: أي: أيّ شيء نبغي ونطلب أكثر من هذا الإكرام والإحسان؟ وهل فوق هذا الفضل غاية لمشترٍ؟ وهذا قول قتادة والضحاك والسدي، ورجحه ابن جرير الطبري.
أنها نافية: أي: لا نبغي زيادة في القول ولا نكذب عليك في وصف كرم الملك وعدله؛ فإنك إن ظننتنا كاذبين فهذه بضاعتنا رُدت إلينا برهاناً ساطعاً. وقيل: لا نبغي ربحاً وتجارة في أهلنا بل نبتغي جلب القوت وسد الحاجة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مَتَاعَهُمْ
المتاع: كل ما يُنتفع به ويُستمتع من أوانٍ وحبوب وثياب وأوعية.
نَبْغِي
البغي: الطلب؛ بغى الشيء يبغيه بغاءً إذا طلبه والتمسه؛ وقد يكون طلباً للحق أو تجاوزاً بالظلم.
وَنَمِيرُ
من الميرة؛ مار أهله يميرهم ميراً إذا جلب لهم الطعام والمؤونة من بلد آخر؛ والميرة هي جلب الطعام في أوقات الجدب.
المصلحة الإنسانية العامة للأسرة: {وَنَمِيرُ أَهْلَنَا} ونجلب لهم القوت لئلا يهلكوا.
الضمانة الأخلاقية المشددة: {وَنَحْفَظُ أَخَانَا}.
الغنيمة الاقتصادية المضافة: {وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ}.
تهوين المشقة واستسهال العطاء من الملك: {ذَٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ}.
نجاح خطة يوسف عليه السلام:
تحقق قصد يوسف تماماً حين قال سابقاً: {لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}؛ فكان رد البضاعة هو المفتاح الحقيقي الذي كسر حاجز الرفض عند يعقوب عليه السلام وأجبره على التفاوض.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة الطمع في قولهم {وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ۖ ذَٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ}:
قد يُظن أن الإخوة أرادوا المقامرة بأخيهم من أجل بعير من القمح؛ والجواب العقلي المحكم: أن البلاد كانت في مجاعة عارمة، والقمح في تلك السنين كان مسألة بقاء وحياة لا غنى عنها، وحمل البعير (نحو 200-300 كيلوجرام) كان كافياً لإطعام بيت كامل لأشهر؛ فطلبهم كان سداً لرمق الأطفال والنساء وحماية للعشيرة من الهلاك، وليس طمعاً في ترف أو تجارة زائدة.
التتابع العاطفي في الأفعال المضارعة:
{وَنَمِيرُ... وَنَحْفَظُ... وَنَزْدَادُ}: هذا التتابع السريع يصور حركتهم ونشاطهم وحماسهم المتدفق، ورسم صورة للمستقبل المشرق الذي يغري الوالد بالموافقة ويزيل وحشة الخوف من قلبه.
التنكير في {كَيْلٌ يَسِيرٌ}:
للتقليل والتهوين؛ أي هو كيل سهل الحصول عليه من ذلك الحاكم الكريم الذي لا يضيق عطاؤه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قوة الإحسان في تذليل العقبات:
الإحسان العملي (رد البضاعة وإيفاء الكيل) فعل في تليين المواقف ما لم تفعله مئات الكلمات؛ وهذا منهج نبوي أصيل: كسب القلوب بالبذل والندى والصدق قبل المطالبة بالواجبات.
المروءة في إعانة الأهل والقرابة:
قولهم {وَنَمِيرُ أَهْلَنَا} يبرز فضيلة السعي على العيال والقرابة في أوقات الأزمات؛ فالرجل الشهم يتقحم الأخطار والأسفار لجلب القوت لأهله وعشيرته.