وعد يعقوب بالاستغفار وإرجائه إلى أوقات الإجابة الشريفة:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 258)مصدر غير محدد١٦/٢٥٨ وابن أبي حاتم عن ابن مسعود، وابن عباس، وعمرو بن شعيب، وأنس بن مالك، والشعبي، وقتادة: لما سأله بنوه الاستغفار، وعدهم به مستعملاً حرف التنفيس: {قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.
توجيه تأخير يعقوب للاستغفار بـ {سَوْفَ} في آثار السلف:
بين أئمة التفسير حكمة تأخير يعقوب للاستغفار في وجوه جامعة معتبرة:
التأخير إلى وقت السحر (الثلث الأخير من الليل):
أخرج ابن جرير والترمذي الحكيم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قوله: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي}: «أخّرهم إلى السحر؛ لأن الدعاء فيه أرجى للإجابة، حين ينزل ربنا إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟».
وعن أنس بن مالك: «أخّر ذلك إلى ليلة الجمعة في وقت السحر».
التأخير حتى يلتقي بيوسف ويستحله:
قال ابن إسحاق: «أخّر الاستغفار حتى يلقى يوسف، فيسأله هل رضي عنهم وعفا عن جنايتهم؟ فإن كمال المغفرة مشروط برضا صاحب المظلمة المباشر».
التثبت من صدق توبتهم وتسكين ما في قلبه من لوعة الحزن:
أراد أن تصفو نفسه وتذهب فورة الوجد حتى يدعو لهم بقلب مقبل مشفق خالص.
التذييل باسمي {الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}:
قال ابن كثير (4/ 422)مصدر غير محدد٤/٤٢٢: «بث في قلوبهم الطمأنينة وفتح لهم أبواب الرجاء؛ فالله يغفر الذنوب العظام، ويرحم من أناب واستغفر».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
سَوْفَ
حرف استقبال وتنفيس يدل على تأخير الفعل وتأجيله إلى زمان مستقبل مرتقب.
الْغَفُورُ
فعول صيغة مبالغة لمن يعظم ستره ومغفرته للذنوب الكبيرة ومحوها.
مفعول به منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم والياء مضاف إليه.
إِنَّهُ
"إن" واسمها.
هُوَ
ضمير فصل لا محل له (أو مبتدأ ثان).
الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
خبران لـ "إن" مرفوعان بالضمة (أو خبرا هو والجملة خبر إن)، وجملة "إنه هو..." تعليلية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقارنة البديعة بين عفو يوسف ووعد يعقوب:
يوسف قال لإخوته فوراً: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ}؛ فعفا عاجلاً لأن المظلمة كانت في حقه مباشرة وشخصه الكريم، بينما يعقوب قال: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي}؛ لأن الجناية تعلقت بحق الله وبحق يوسف وبحقه، فأخّر الدعاء ليترصد له أشرف الأوقات (السحر) وأكمل الأحوال بعد التقاء الجمع وتصافي القلوب.
الحصر والتوكيد في {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}:
تصدير التعليل بـ "إنّ" وضمير الفصل "هو" لتوكيد سعة المغفرة والرحمة، لئلا يقنطوا من خطيئتهم العظيمة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة القسوة في تسويف الاستغفار:
قد يظن متعجل أن استعمال "سوف" كان قسوة أو امتناعاً جزئياً؛
والجواب العقلي والشرعي:
أن تأخير الدعاء إلى وقت الإجابة الفاضل (السحر) هو غاية النصح والشفقة عليهم؛ فالطبيب الحاذق يتحرى وقت قبول الدواء، ويعقوب أراد لهم دعاءً مستجاباً محققاً يغسل عنهم عار السنين، فلم يكن تسويف مماطلة، بل كان تدبير حكيم لتحصيل الإجابة.
البلاغة في التعبير بـ {رَبِّي}:
إضافة الرب إلى ياء المتكلم للدلالة على شدة القرب والصلة الخاصة بين النبي وخالقه، واستشفاع هذه الصلة في غفران ذنوب بنيه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحري أوقات الإجابة الشريفة في الدعاء:
السنة للمؤمن أن يتحرى ساعات الإجابة العظيمة كالثلث الأخير من الليل ويوم الجمعة وسجود الصلاة عند رفع الحاجات الكبرى والخطوب الجسيمة.
فتح أبواب الأمل للمذنبين المنيبين:
تثبيت يقين التائبين برحمة الله ومغفرته؛ فمهما كان الذنب كبيراً كالتفريط في الأخ وإحزان الوالد سنين طويلة، فإن التوبة الصادقة المقترنة بالاستغفار تمحوه كأن لم يكن.