لقاء يوسف بأخيه الشقيق بنيامين وخلوته به:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 189)جامع البيانالطبري١٦/١٨٩ وابن أبي حاتم عن مجاهد وقتادة ومحمد بن إسحاق والسدي قالوا: لما قدم بنو يعقوب على يوسف ودخلوا عليه ومعهم بنيامين، رحب بهم وأكرم نزلهم، ثم أمر بإنزالهم اثنين اثنين في كل حجرة ومائدة، فبقي بنيامين فريداً وحده، فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حياً لكان معي! فقال يوسف: أنا أنزلك معي على مائدتي وفي حجرتي، فضمه إليه واختلى به، وأخبره بحقيقة أمره وقال له سراً: {إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}؛ أي لا تحزن ولا تغتم بما كان يصدر من إخوتنا من الجفاء والحسد والأذى السابق، فإن الله قد جمع شملنا وأعزنا وسيدبر لنا أمراً نلتقي به بأبينا.
تفسير قوله: {آوَىٰ إِلَيْهِ أَخَاهُ}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 406)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٠٦: «{آوَىٰ إِلَيْهِ أَخَاهُ}؛ أي ضمه إليه، واختص به، وأنزله معه في منزله، وأعلمه بحاله ومكنون خبره، واتفق معه على الحيلة التي سيبقي بها بنيامين عنده في مصر دون أن يناله أذى أو روع، لئلا يرجع إلى الشام فيظل عرضة لجفاء إخوته».
معنى {فَلَا تَبْتَئِسْ}:
قال القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (9/ 229)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٩/٢٢٩: «الابتئاس: الحزن والغم؛ مأخوذ من البؤس وهو الشدة والضيق؛ فالمعنى: لا تحزن لما مضى من صنيعهم بي وبك، ولا بما سأفعله الآن من الحيلة التي تظهر في صورة الشدة فإن عاقبتها الخير والفرج التام».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
آوَىٰ
من الإيواء؛ أوى إليه إذا انضم إليه، وآواه يئويه إيواءً إذا ضمه إلى نفسه وأنـزله عنده وجعله في كنفه وحمايته.
تَبْتَئِسْ
فعل مضارع من البؤس والابتئاس، وهو الحزن والاستكانة للشدة؛ يقال: ابتأس فلان إذا اغتم وتوجع.
وَلَمَّا دَخَلُوا
الواو استئنافية، "لما" حينية متضمنة معنى الشرط، "دخلوا" فعل ماض وفاعله، والجملة مضاف إليها لـ "لما".
عَلَىٰ يُوسُفَ
متعلق بـ "دخلوا"، ويوسف مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف.
آوَىٰ إِلَيْهِ أَخَاهُ
جواب شرط "لما" لا محل له من الإعراب. "آوى" فعل ماض مبني على الفتح المقدر والفاعل مستتر تقديره هو، "إليه" متعلق بـ "آوى"، "أخاه" مفعول به منصوب بالألف لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء مضاف إليه.
قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ
"قال" فعل ماض والفاعل مستتر، وجملة "إني أنا أخوك" مقول القول. "إن" حرف ناسخ والياء اسمها، "أنا" ضمير فصل لا محل له (أو مبتدأ ثان)، "أخوك" خبر إن مرفوع بالواو والكاف مضاف إليه (أو خبر المبتدأ الثاني والجملة خبر إن).
فَلَا تَبْتَئِسْ
الفاء رابطة لجواب شرط مقدر أو فصيحة، "لا" ناهية جازمة، "تبتئس" فعل مضارع مجزوم بـ "لا" وعلامة جزمه السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
الباء حرف جر للملابسة أو السببية، "ما" موصولة أو مصدرية، وجملة "كانوا يعملون" صلتها، والجار والمجرور متعلق بـ "تبتئس".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سر التوقيت في كشف الهوية لشقيقه دون الباقين:
اقتضت الحكمة الإلهية والسياسة النبوية أن يبوح يوسف بسره لشقيقه بنيامين وحده دون بقية الإخوة؛ لأمرين عظيمين:
تطييب خاطر بنيامين وتسكين روعته وإدخال الفرح المطلق على قلبه بعد سنين الحزن والوحشة.
التواطؤ معه على الخطة القادمة في وضع الصواع؛ حتى لا يفزع بنيامين حين يُتهم بالسرقة علناً، بل يتحمل ذلك وهو يعلم أنه سبيل بقائه مع شقيقه في قصر العزة.
التوكيد البالغ في {إِنِّي أَنَا أَخُوكَ}:
تصدير الجملة بـ "إنّ" ثم ضمير الفصل "أنا" ثم الخبر؛ لدفع أي شك أو دهشة قد تعتري عقل بنيامين عند سماع هذا الخبر المذهل الذي يشبه المعجزات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة تفضيل يوسف لشقيقه بنيامين على سائر إخوته:
قد يزعم زاعم أن في تصرف يوسف تمييزاً عنصرياً أو تفريقاً بين الإخوة؛
والجواب العقلي المحكم:
أن بنيامين كان شقيقه من أمه وأبيه، ولم يشترك معهم في مؤامرة الجب ولا رضي بها، بل كان مظلوماً مع يوسف معانياً من جفائهم، والمؤمن مأمور بموالاة المظلوم وإعانته؛ ومع ذلك فإن يوسف لم يظلم بقية إخوته، بل وفى لهم الكيل ورد بضاعتهم، وإنما خص شقيقه بالبشارة والمؤانسة لحاجته الماسة إليها.
النهي عن الابتئاس بصيغة الافتعال {فَلَا تَبْتَئِسْ}:
صيغة الافتعال تفيد المبالغة في الحزن والتكلف؛ أي لا تستسلم لمشاعر الحزن المظلمة، ولا تجعل تصرفاتهم الماضية تكسر قلبك، فإن الماضي قد طواه الله وحان وقت العزة والفرح.
التعبير بـ {آوَىٰ إِلَيْهِ}:
فعل الإيواء يتضمن معنى الدفء والأمان والاحتواء التام بعد التشرد والخوف، وهو أرق وأبلغ من مجرد الاستضافة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
جبر الخواطر ومواساة المظلومين:
من أعظم شعب الإيمان إدخال السرور على قلوب المنكسرين، وتسكين روعتهم، وإزالة آثار الأذى النفسي عنهم؛ فيوسف لم ينتظر بل بادر إلى مسح أحزان شقيقه قبل أن يبدأ أي عمل آخر.
التخطيط المشترك مع ذوي الثقة:
إشراك الشريك الموثوق في تفاصيل الخطة يضمن ثباته ونجاح التدبير المشترك، ويدفع عنه المفاجأة والارتباك.