استعطاف الإخوة ليوسف بذكر أبيه الشيخ الكبير:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 210)مصدر غير محدد١٦/٢١٠ وابن أبي حاتم عن مجاهد والسدي وقتادة ومحمد بن إسحاق: لما رأى إخوة يوسف أن بنيامين قد أصبح رقيقاً مأسوراً بحكم شريعتهم هم وفتواهم الصادرة، تذكروا ميثاق الله المغلظ الذي أعطوه لأبيهم يعقوب، وخافوا على قلب والدهم أن ينفطر حزناً وكمداً، فاستداروا إلى يوسف متوسلين مستعطفين ومغيرين نبرة الحديث إلى غاية التذلل والرجاء، فقالوا: {يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}.
تفسير قوله: {إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا}:
قال ابن كثير (4/ 412)مصدر غير محدد٤/٤١٢: «استعطفوه بذكر والده، وهو نبي الله يعقوب عليه السلام، ووصفوه بأنه شيخ طاعن في السن، ضعيف البنية، شديد المحبة والتعلق بهذا الولد بعد فقده لأخيه من قبل، وأنه لا يصبر على فراقه قط؛ ورجوه أن يقبل افتداءه بواحد منهم فيأخذه عبداً ويطلق سراح بنيامين ليردوه إلى أبيه وفاءً بالميثاق».
معنى {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}:
قال القرطبي (9/ 238)مصدر غير محدد٩/٢٣٨: «أي من المتصفين بالإحسان في معاملتك وكيلك وكرم ضيافتك، ونرجو أن تتم إحسانك إلينا بقبول هذا الفداء وتفريج كربتنا وكربة والدنا الشيخ المحزون».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الْعَزِيزُ
لقب رئيس وزراء مصر وصاحب السلطان المطلق فيها؛ وكان يُطلق على قطفير ثم أطلق على يوسف بعد تمكينه.
شَيْخًا كَبِيرًا
الشيخ: الطاعن في السن، والكبير: المتقدم في العمر والشرف والمكانة.
فَخُذْ
من الأخذ، والمراد: الاسترقاق والاحتجاز بدلاً عنه.
قَالُوا
فعل ماض والواو فاعل.
يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ
"يا" حرف نداء، "أي" منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب و"ها" للتنبيه، "العزيز" بدل أو عطف بيان مرفوع بالضمة، والجملة مقول القول.
إِنَّ لَهُ
"إن" حرف توكيد ونصب، "له" جار ومجرور في محل رفع خبر إن مقدم.
أَبًا
اسم إن مؤخر منصوب بالفتحة.
شَيْخًا كَبِيرًا
نعتان منصوبان لـ "أباً".
فَخُذْ
الفاء رابطة لجواب طلب مقدر أو فصيحة، "خذ" فعل أمر والفاعل مستتر تقديره أنت.
أَحَدَنَا
مفعول به منصوب و"نا" مضاف إليه.
مَكَانَهُ
ظرف مكان منصوب متعلق بـ "خذ" والهاء مضاف إليه (أو حال).
جار ومجرور في محل نصب مفعول به ثان لـ "نراك" (أو متعلق بـ نراك).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التحول النفسي والدرامي في خطاب الإخوة:
انتقل الإخوة من لغة الكبرياء والاتهام الفج في الآية السابقة: {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ} إلى لغة التوسل والاسترحام: {يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا}؛ وهذا يكشف عن التخبط النفسي والانهيار الذي أصابهم بعد أن أدركوا وطأة المأزق وعجزهم عن مواجهة أبيهم بنكث العهد والميثاق.
استعطاف العزيز بوصف الإحسان:
ختموا كلامهم بـ {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}؛ لأن الكريم يُستعطف بمدحه بالإحسان وبث الرجاء في خلقه العالي، وهو ذات الوصف الذي خاطبه به الفتيان في السجن: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}، مما يبرهن على أن نور الإحسان كان يفيض من وجه يوسف وسلوكه في كل مكان ومقام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة قبول تبديل الجاني بغيره في القضاء:
قد يستشكل فقيه: كيف يعرض الإخوة استرقاق بريء بدلاً من السارق، وهل يجوز أخذ إنسان بذنب غيره؟
والجواب الفقهي المحكم:
أن هذا العرض لم يكن حكماً قضائياً ملزماً، بل كان التماساً لصلح وتفادٍ لضرر أكبر؛ أي على سبيل الفداء الطوعي برضا الطرفين، ورأوا أن رضاء أحدهم بالعبودية اختياراً لإنقاذ أبيهم من الهلاك كرب ومكرمة جائزة في شريعتهم؛ ولكن يوسف رفض ذلك صيانةً لقواعد العدالة المطلقة كما في الآية التالية.
تكرار الوصف بـ {شَيْخًا كَبِيرًا}:
الجمع بين لفظي "الشيخ" و"الكبير" لتجسيد منتهى الضعف والعجز والشفقة، لاستدرار أقصى درجات الرحمة في قلب الحاكم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار بر الوالدين عند الملمات:
تحرك وازع البر في قلوب الإخوة حين رأوا الخطر يحيق بأبيهم، فعرض كل واحد منهم نفسه للعبودية الدائمة فداءً لراحة أبيه؛ وفي هذا درس بليغ في التضحية من أجل بر الآباء عند الشدائد.
الإحسان مغناطيس القلوب:
إذا اتصف الحاكم أو العالم بالإحسان، فإن الناس يقصدونه في حاجاتهم ويثقون في رحمته وعدله.