موقف الإخوة الشجاع واستفسارهم عن التهمة:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 194)مصدر غير محدد١٦/١٩٤ وابن أبي حاتم عن قتادة والسدي: لما صرخ المنادي بتلك التهمة المزلزلة {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ}، لم يفر إخوة يوسف ولم يرتبكوا، بل وقفوا وأقبلوا على المنادين بوجه مكشوف وقلب واثق، وقالوا: {مَّاذَا تَفْقِدُونَ}؟
قال ابن كثير (4/ 408)مصدر غير محدد٤/٤٠٨: «وهذا من كمال ثقتهم ببراءة ساحتهم وطهارة أيديهم؛ فإن السارق الحقيقي إذا قيل له ذلك اضطرب وهرب أو تشتت فكره، أما البريء المطمئن فإنه يقبل بوجهه ويستفهم بهدوء وثبات: ما الذي ضاع منكم حتى تتهمونا به؟».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَأَقْبَلُوا
الإقبال: التوجه نحو الشيء بالوجه والجسد؛ وهو ضد الإدبار والتولي.
تَفْقِدُونَ
الفقد: غيبة الشيء وضياعه وعدم وجوده بعد أن كان موجوداً؛ يقال: فقد الشيء يفقده فقداً وفقداناً.
قَالُوا
فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل.
وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِم
الواو حالية، "أقبلوا" فعل ماض والواو فاعل، "عليهم" متعلق بـ "أقبلوا"، والجملة في محل نصب حال من فاعل "قالوا" (أي قالوا ذلك في حال إقبالهم عليهم).
مَّاذَا تَفْقِدُونَ
جملة مقول القول. "ماذا": إما اسم استفهام مركب مبني في محل نصب مفعول به مقدم لـ "تفقدون"، وإما "ما" اسم استفهام مبتدأ و"ذا" اسم موصول خبر وجملة تفقدون صلة الموصول. "تفقدون" فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
البلاغة في التعبير بـ {تَفْقِدُونَ} بدلاً من "سرقنا":
عدل الإخوة عن قول: "ماذا سرقنا؟" إلى قولهم: {مَّاذَا تَفْقِدُونَ}؛ ترفعاً ونزاهة عن ذكر لفظ السرقة أصلاً، ولتنبيه الطرف الآخر إلى أن ما حدث هو مجرد "فقد وضياع" لشيء من متاعكم، وليس جريمة سرقة، فنزعوا عن أنفسهم التهمة بأعف وأذكى أسلوب استفهام.
تقديم الحال {وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِم}:
تصوير قرآني نابض بالحركة والجرأة؛ يبرز استدارة أجسادهم ومواجهتهم المباشرة لرجال الملك دون أي تلعثم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة التناقض بين فسادهم القديم وثقتهم الحالية:
قد يُقال: كيف يثقون ببراءتهم وهم من فعل بيوسف ما فعل سابقاً؟
والجواب العقلي الرصين:
أن خطيئتهم القديمة كانت جريمة حسد خاص وغيرة عائلية على محبة الأب، ولم تكن ديدناً عاماً لهم في السرقة وقطع الطريق؛ فهم أبناء نبي كريم يعظمون حفظ الأموال والأمانات في المعاملات العامة، فكانت براءتهم من السرقة في هذا الموقف صادقة قطعية في يقينهم الداخلي.
الإيجاز الدال على الثبات:
كلمتان موجزتان: {مَّاذَا تَفْقِدُونَ} حملتا كل معاني النزاهة وعزة النفس والاستعداد للمحاكمة العادلة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شجاعة البراءة وسكينة الطمأنينة:
البريء لا يهرب ولا يختبئ؛ فإذا رُمي الداعية أو المصلح بشبهة أو تهمة باطلة، فالواجب الشرعي أن يواجه التهمة بالبرهان والوضوح، مستفسراً عن الحقيقة ومجرداً نفسه من الشبهات.
انتقاء الألفاظ في مواقف الخصومة:
استعمال الإخوة لكلمة "الفقد" بدلاً من "السرقة" يعلمنا فن الخطاب القضائي بعدم تثبيت التهمة على النفس حتى في صيغة السؤال.