مسك الختام لسورة يوسف وخلاصة مقاصدها الربانية:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 296)جامع البيانالطبري١٦/٢٩٦ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك والحسن والسدي: يختم الله تعالى هذه السورة الكريمة بهذا الثناء العظيم على القصص القرآني، فقال: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ}؛ أي لقد كان في خبر يوسف وإخوته وأبيه وما جرى لهم من تقلب الأحوال والابتلاء والتمكين، وفي قصص سائر الأنبياء مع أممهم، عبرة وموعظة ودلالة باهرة لأصحاب العقول الزاكية الصافية التي تدرك حقائق الأشياء وتعتبر بالعواقب.
تفسير أوصاف القرآن الكريم الأربعة في ختام السورة:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 430)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٣٠: «وصف الله هذا القرآن العظيم بما يبطل كل فرية ويثبت كماله في أربعة أوصاف جامعة:
{مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ}: أي لم يكن هذا القرآن كذباً مختلقاً ولا أساطير وضعت من تلقاء البشر، ولا يقدر أحد من الخلق على الإتيان بمثله.
{وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ}: أي يصدق ما سبقه من الكتب السماوية الصحيحة (كالتوراة والإنجيل والزبور) ويوافقها في أصول التوحيد والرسالة.
{وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ}: أي بياناً شافياً مفصلاً لكل ما يحتاج إليه العباد في دينهم ودنياهم؛ من الحلال والحرام، والعقائد، والأحكام، والقصص، والمواعظ، والسنن الكونية.
{وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}: أي هداية لقلوبهم من الضلالة والعمى، ورحمة لهم في دنياهم وأخراهم؛ وخص المؤمنين لأنهم هم الذين ينتفعون بهداه ويستشعرون سابغ رحمته».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
عِبْرَةٌ
العبرة: الموعظة والاعتبار؛ مأخوذة من العُبُور وهو الانتقال والجاوزة؛ وسُميت عبرة لأن الناظر فيها يعبر وينتقل من معرفة الحال المشهودة إلى معرفة سنن الله في غيرها ونظائرها.
لِّأُولِي الْأَلْبَابِ
الألباب جمع لُبّ، ولُبّ الشيء خالصه وصفوته؛ ولُبّ الإنسان عقله الصافي المجرد عن شوائب الهوى والتعصب.
يُفْتَرَىٰ
الافتراء: اختلاق الكذب والبهتان على وجه العمد.
تَفْصِيلَ
التفصيل: تبيين الشيء وتوضيحه وتمييز بعضه من بعض حتى لا يلتبس.
لَقَدْ
اللام واقعة في جواب قسم مقدر، "قد" حرف تحقيق وتوكيد.
كَانَ
فعل ماض ناسخ.
فِي قَصَصِهِمْ
جار ومجرور ومضاف إليه في محل نصب خبر كان مقدم.
عِبْرَةٌ
اسم كان مؤخر مرفوع بالضمة.
لِّأُولِي
اللام حرف جر، "أولي" مجرور بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم وهو مضاف.
الْأَلْبَابِ
مضاف إليه مجرور بالكسرة، والجار والمجرور متعلق بمحذوف نعت لـ "عبرة".
مَا كَانَ
"ما" نافية، "كان" فعل ماض ناسخ واسمه مستتر يعود على القرآن.
حَدِيثًا
خبر كان منصوب بالفتحة.
يُفْتَرَىٰ
فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بضمة مقدرة ونائب الفاعل مستتر، وجملة "يفترى" في محل نصب نعت لـ "حديثاً".
وَلَٰكِن
الواو عاطفة، "لكن" حرف استدراك وعطف.
تَصْدِيقَ
معطوف على خبر كان "حديثاً" منصوب بالفتحة، وهو مضاف (أو خبر لكان محذوفة تقديره: ولكن كان تصديق).
الَّذِي
اسم موصول مبني في محل جر مضاف إليه.
بَيْنَ يَدَيْهِ
ظرف مكان منصوب وهو مضاف، "يديه" مضاف إليه مجرور بالياء والهاء مضاف إليه، وشبه الجملة صلة الموصول لا محل لها.
وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ
معطوف على "تصديق" منصوب وهو مضاف، "كل" مضاف إليه، و"شيء" مضاف إليه ثان.
وَهُدًى وَرَحْمَةً
معطوفان منصوبان بالفتحة.
لِّقَوْمٍ
متعلق بمحذوف نعت لـ "هدى ورحمة".
يُؤْمِنُونَ
فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل جر نعت لـ "قوم".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كمال البناء المعماري لسورة يوسف:
انظر إلى هذا الختام المعجز كيف يلتحم بأول آية في السورة؛ افتتحت السورة بـ {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} وبـ {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ}، وختمت السورة بـ {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}؛ فالقصة ليست سيرة تاريخية مجردة، بل هي تجسيد حي لكل قيم الوحي: التوحيد، والصبر، والعفة، والتوكل، واليقين، والتسامح، ونصر الله المحتوم لأوليائه.
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة الافتراء والبشرية عن القرآن الكريم:
زعم المشركون والملاحدة أن القرآن أساطير الأولين افتراه محمد؛
وترد الآية هذا الوهم بأوضح برهان: فحديث القرآن ليس من جنس أحاديث البشر؛ فهو يصدق ما سبقه من الحق ويصحح ما حرفه الناس، ويفصل أصول الهداية والشرائع والسنن بدقة إعجازية تعجز عنها العقول المجتمعة، ويثمر هداية ورحمة غيرت مجرى التاريخ؛ ومثل هذا الإحكام والشمول لا يمكن عقلاً أن يصدر عن بشر أمي في بيئة صحراوية، بل هو تنزيل من حكيم حميد.
التخصيص بـ {لِّأُولِي الْأَلْبَابِ} و{لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}:
تخصيص أصحاب العقول الصافية والمؤمنين بالانتفاع؛ لأن العبرة لا يراها من غلب عليه الهوى والبلادة، وهدى القرآن ورحمته لا يذوق حلاوتها إلا قلب استنار بنور الإيمان.
التنكير في {عِبْرَةٌ} و{هُدًى} و{رَحْمَةً}:
تنكير للتعظيم والاتساع والفيضان المطلق لهذه البركات الربانية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قيمة القصص القرآني في بناء الوعي الإيماني:
قصص القرآن ليست حكايات للمسامرة بل هي مدارس للتربية وبناء اليقين واستنباط السنن؛ فاللبيب هو من يقف عند كل مشهد ليعبر منه إلى واقع حياته فيقتدي بالصابرين ويحذر مسالك الغافلين.
القرآن هو المصدر الأسمى للهداية والرحمة:
من أراد تفصيل الحقائق، وشفاء الصدور، وهداية الطرق، وسابغ رحمة الله، فعليه بهذا الكتاب العظيم؛ ففيه نبأ من قبلنا، وخبر ما بعدنا، وحكم ما بيننا، وهو حبل الله المتين ونوره المبين.