أمر يوسف عليه السلام بدس البضاعة في أوعيتهم:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 168)مصدر غير محدد١٦/١٦٨ وابن أبي حاتم عن قتادة وابن عباس ومجاهد: أن يوسف عليه السلام أمر غلمانه وأعوانه الذين يكيلون الطعام سراً، فقال: {اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ}؛ والبضاعة هي الثمن الذي دفعوه مقابل الطعام من دراهم أو جلود أو سمن أو نِعال مما كانوا يجلبونه من باديتهم للمقايضة.
الحكمة البالغة وراء رد البضاعة:
بين المحققون من المفسرين (ابن كثير، القرطبي، الشنقيطي) مقاصد يوسف العظيمة من هذا التدبير في أربعة أوجه متكاملة:
كرمه ونبالته التامة؛ إذ استحيا أن يأخذ من أبيه وإخوته ثمناً للطعام وهم في شدة الفاقة والحاجة، وهو الحاكم الموسر.
علمه الراسخ بأمانة بيت النبوة وديانتهم؛ فإنهم إذا فتحوا رحالهم ووجدوا أموالهم رُدت إليهم لم يستحلوها، بل سيحملهم الورع والديانة على الرجوع إلى مصر لرد الثمن إلى صاحبه، فيكون ذلك أضمن لرجوعهم.
استمالة قلوبهم وترغيبهم، وإظهار مزيد الفضل والإحسان إليهم؛ لتقوى حجتهم عند يعقوب عليه السلام حين يقولون له: {هَٰذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا}.
خوفه من أن لا يكون عند أبيه وإخوته دراهم وبضاعة أخرى يشترون بها الطعام في العام القادم، فيتعذر عليهم المجيء ويهلكون جوعاً.
القراءات المتواترة في {فِتْيَانِهِ}:
قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: {لِفِتْيَانِهِ} بكسر الفاء وبألف ونون على وزن فِعْلان (جمع فتى).
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة عن عاصم وأبو جعفر ويعقوب وخلف العاشر: {لِفِتْيَتِهِ} بكسر الفاء وياء وتاء مربوطة على وزن فِعْلَة؛ وهما جمعان للفتى، والفِتية جمع قلة والفِتيان جمع كثرة، والجمعان متطابقان في المعنى والمراد بهما غلمانه وأعوانه الخصوصيون.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بِضَاعَتَهُمْ
البضاعة: القطعة من المال تُعد للتجارة والبيع والشراء؛ مأخوذة من البَضْع وهو القطع.
رِحَالِهِمْ
جمع رَحْل، وهو الوعاء والوعاء الذي يوضع على ظهر البعير لحفظ المتاع والطعام.
انقَلَبُوا
الانقلاب: الرجوع والتحول؛ انقلب إلى أهله إذا رجع إليهم.
وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ
الواو عاطفة، "قال" فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو، "لفتيانه" جار ومجرور متعلق بـ "قال"، والهاء مضاف إليه.
اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ
جملة مقول القول. "اجعلوا" فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، "بضاعتهم" مفعول به أول منصوب والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
فِي رِحَالِهِمْ
جار ومجرور في محل نصب مفعول به ثان لـ "اجعلوا".
لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا
"لعل" حرف ترجٍّ ونصب من أخوات إن والهاء اسمها والميم للجمع، وجملة "يعرفونها" في محل رفع خبر لعل.
إِذَا انقَلَبُوا
"إذا" ظرف لما يُستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه، وجملة "انقلبوا" مضاف إليها.
إِلَىٰ أَهْلِهِمْ
جار ومجرور متعلق بـ "انقلبوا".
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
جملة تعليلية مؤكدة للرجاء الأول، "لعل" واسمها، وجملة "يرجعون" خبرها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تكرار {لَعَلَّ} ودلالته النفسية والتدبيرية:
ورد قوله: {لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا} ثم أعقبه بـ {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} لبيان ترتب النتائج بعضها على بعض؛ فمعرفة البضاعة سبب في تحريك وازع الأمانة والرجاء، وترتب الرجوع هو الغاية القصوى التي يخطط لها يوسف عليه السلام ليجمع شمل الأسرة النبوية.
الكتمان في التدبير:
أمر فتيانه بذلك سراً دون إعلام إخوته، ليقع المفاجأة والأثر في نفوسهم عند تفريغ الأوعية بحضرة أبيهم، فتكون شهادة صدق حية تؤثر في نفس يعقوب عليه السلام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة وضع المال في الرحال بغير علم أصحابه:
قد يسأل متشكك: كيف يدس يوسف بضاعتهم في رحالهم دون إذنهم، وهل في ذلك تصرف في مال الغير؟
والجواب العقلي والفقهي:
أن البضاعة كانت ثمناً للطعام، ويوسف هو الحاكم المتصرف وصاحب الحق في قبض الثمن وإسقاطه وإهدائه ورده للمشتري تبرعاً وإحساناً؛ فرد الثمن إلى وعاء صاحبه هو إسقاط للثمن وهبة نافذة برئت بها ذمتهم، فكان فعله إحساناً محضاً وتكرماً خالصاً لا غبار عليه بوجه من الوجوه.
البلاغة في قوله {لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا}:
عبر بالمعرفة ولم يقل "يجدونها"؛ لأن مجرد الوجدان قد يقع بالمصادفة، أما "المعرفة" فتقتضي تمييزهم لبضاعتهم وإدراكهم أن هذه أموالهم التي دفعوها بعينها قد رُدت إليهم إكراماً أو أمانة، فيتحرك وجدانهم بالجميل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استعمال الحيلة المشروعة لجلب المصالح وجمع الشمل:
جواز استعمال الذكاء والتخطيط الحكيم في جلب الخير ودفع الشر دون ارتكاب محرم؛ فيوسف دبر هذا الصنيع لغرض شريف وهو صلة الرحم وبر الوالد.
التلطف في إعطاء الصدقة والهدية لذوي المروءة:
أصحاب النفوس الكريمة قد يستحيون من قبول الهبة المباشرة، فمن كمال الأدب إيصال النفع إليهم بطرق خفية تصون ماء وجوههم وتدفع عنهم الحرج، كما فعل يوسف بإرجاع ثمن طعامهم في خفاء.