خروج يوسف لاستقبال والديه وأهله على مشارف مصر:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 260)جامع البيانالطبري١٦/٢٦٠ وابن أبي حاتم عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، والسدي، ومحمد بن إسحاق قالوا: لما اقترب ركب يعقوب عليه السلام وأهله من أرض مصر، وبلغ يوسف خبر قدومهم، خرج في موكب ملكي عظيم تقدمه جنود مصر وأمراؤها ووجهاؤها يتقدمهم يوسف عليه السلام، فلقوا يعقوب في مضارب ومخيمات خارج العاصمة، فلما ترجل يعقوب ورأى يوسف، تعانقا طويلاً وبكيا بكاء الفرح والسرور بعد طول الفرقة.
تفسير قوله: {آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ} وتحقيق المراد بالأبوين:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 423)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٢٣: «{آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ}؛ أي ضمهما إليه في خيمته ومجلسه واختصهما بأعلى مراتب الإكرام والحفاوة.
واختلف أئمة السلف في المراد بـ "أبويه":
القول الأول (قول الجمهور والمحققين): أبوه يعقوب عليه السلام، وخالته لِيا (أخت أمه راحيل)؛ لأن راحيل أم يوسف وبنيامين كانت قد ماتت في نفاس بنيامين في أرض كنعان قبل خروجهم، وكانت خالته هي التي ربته وقامت مقامه؛ والعرب تسمي الخالة أماً كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ» (رواه البخاري رقم 2699).
القول الثاني: أبوه وأمه الحقيقية راحيل، وأنها لم تكن ماتت بل بقيت حية حتى قدمت مصر ورأت تأويل الرؤيا؛ ورجحه الحسن البصري ومحمد بن إسحاق لظاهر اللفظ».
البشارة بالأمان التام: {ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ}:
قال قتادة والسدي: «قال لهم يوسف لما أشرفوا على دخول أبواب العاصمة: {ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ}؛ أي آمنين من الخوف والاضطهاد، وآمنين من القحط والجدب والمجاعة، وآمنين من كل كدر ونقص، وعلق الأمر بمشيئة الله تبركاً وتوكلاً وخضوعاً لله تعالى».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
آوَىٰ
الإيواء: الضم إلى النفس والكنف؛ وقد تقدم بيانه في الآية (69).
أَبَوَيْهِ
تثنية أب، وتغلب العرب الأب على الأم في التثنية فيقال: الأبوان؛ كالقمَرَين للشمس والقمر.
آمِنِينَ
جمع آمن، من الأمن ضد الخوف؛ وهو استقرار النفس وسلامتها من المكاره والمخاوف.
جواب شرط "لما" لا محل له من الإعراب. "آوى" فعل ماض مبني على الفتح المقدر والفاعل مستتر تقديره هو، "إليه" متعلق بـ "آوى"، "أبويه" مفعول به منصوب بالياء لأنه مثنى وحذفت النون للإضافة والهاء مضاف إليه.
وَقَالَ
الواو عاطفة، "قال" فعل ماض وفاعله مستتر.
ادْخُلُوا مِصْرَ
"ادخلوا" فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، "مصر" مفعول به منصوب (أو منصوب على نزع الخافض)، ومنع من الصرف للعلمية والتأنيث.
إِن شَاءَ اللَّهُ
"إن" حرف شرط جازم، "شاء" فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، اسم الجلالة فاعل مرفوع بالضمة، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، أي: إن شاء الله فادخلوا آمنين.
آمِنِينَ
حال منصوبة بالياء من واو الجماعة في "ادخلوا" لأنها جمع مذكر سالم، وجملة "ادخلوا مصر..." مقول القول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الاستقبال الملوكي المقرون بالأمان:
تتجلى في هذه الآية نهاية رحلة الخوف والشتات؛ فالأسرة التي خرجت من البادية تعاني الجوع والتشتت دخلت مصر تحت راية الأمان الرسمي المطلق من الحاكم الأعلى: {ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ}؛ لتبدأ مرحلة تاريخية كبرى في مسيرة بني إسرائيل.
الأدب النبوي في التعليق بالمشيئة:
رغم أن يوسف هو الحاكم المطلق والأمر بيده ظاهراً، إلا أنه لم يقل: "ادخلوا آمنين في حمايتي وسلطاني"، بل قال: {إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ}؛ تأدباً مع الله واعترافاً بأن الأمان الحقيقي لا يستقر في الأرض إلا بإذن الله ومشيئته النافذة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة التناقض بين موعد القول وموعد الدخول:
قد يستشكل متأمل: كيف يقول: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ} ثم يقول لهم: {ادْخُلُوا مِصْرَ}، فهل قال ذلك بعد الدخول أم قبله؟
والجواب اللغوي والسياقي البديع:
أن "دخلوا على يوسف" كان في مخيمه الملكي الذي ضربه لاستقبالهم خارج حدود المدينة، فلما دخلوا عليه خيمته ورحب بهم وآواهم، قال لهم: ارتحلوا و{ادْخُلُوا مِصْرَ} العاصمة آمنين.
وقيل: كان قوله هذا عند بوابة العاصمة ترحيباً رسمياً واستقراراً لهم فيها؛ فالدخول الأول كان لقاءً، والدخول الثاني كان استيطاناً وسكنى.
التعبير بالحال {آمِنِينَ}:
تصدير الأمان كحال لازمة لدخولهم يبدد كل مخاوف الوالد والأسرة الغريبة القادمة من البادية إلى أعظم مدن العالم القديم؛ فالأمان هو النعمة الكبرى التي لا تطيب الحياة بدونها.
التغليب البلاغي في {أَبَوَيْهِ}:
استعمال التغليب لشرف مقام الأبوة الجامع للوالد والوالدة (أو الخالة).
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
كمال البر والحفاوة بالوالدين:
من تمام الشرف والمروءة أن يبادر الولد الممكن إلى إكرام والديه بأعظم ما يملك، وأن يتقدم الصفوف لاستقبالهما وإشعارهما بأن عزه وتمكينه إنما هو ثمرة بركتهما ودعائهما.
أهمية توفير الأمان للوافدين والمستضعفين:
الحاكم العادل والمؤمن الصادق يحرص على بسط الأمان للناس في دياره؛ فالأمان الغذائي والسياسي أساس الاستقرار والنهضة.