مقدمات مجيء إخوة يوسف إلى مصر:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 162)مصدر غير محدد١٦/١٦٢ وابن أبي حاتم عن قتادة ومحمد بن إسحاق والسدي وغيرهم قالوا: لما مضت سنوات الخصب السبع التي ادخر فيها يوسف الطعام بحكمته، أقبلت سنوات الجدب والقحط السبع، فعم الجدب سائر بلاد مصر والشام ونواحي فلسطين حيث يقيم نبي الله يعقوب وبنوه. وبلغ الناس أن بمصر ملكاً عادلاً خازناً يبيع الطعام ويكيل للناس بالعدل، فبعث يعقوب عليه السلام بنيه العشرة إلى مصر ليمتاروا طعاماً، وحبس عنده أخاهم الشقيق بنيامين ليتسلى به عن يوسف وشدة محبته له وخوفه عليه.
دخول الإخوة على يوسف ومعرفته لهم:
فلما وصل إخوة يوسف إلى مصر ودخلوا عليه وهو على سرير ملكه وثياب عزه، عرفهم يوسف فور دخولهم؛ لأنهم كانوا رجالاً مكتملين حين ألقوه في الجب فلم تتغير ملامحهم الأساسية، ولأن المحبوب المظلوم لا ينسى من ظلموه.
إنكار الإخوة ليوسف وجهلهم به:
قال ابن كثير (4/ 401)مصدر غير محدد٤/٤٠١: «{وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ}؛ أي لم يعرفوه لعدة أسباب ظاهرة:
لطول العهد والفرقة التي قاربت نحو ثلاثين سنة أو أكثر.
لتغير هيئته ولباسه وزينته وزيه؛ فقد فارقوه وهو صبي صغير، ورأوه الآن ملكاً على عرش مصر العظيم بحرسه ووزرائه.
لاستبعادهم التام واستحالة ذلك في ظنونهم؛ إذ كانوا يعتقدون أنه إما هلك في غيابة الجب، أو بيع عبداً ممتهناً في أسفل دركات الرق، فما كان يخطر ببالهم قط أن ذلك الصبي الملقى صار هو الحاكم المطلق الذي يملك أقوات البلاد والعباد».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مُنكِرُونَ
اسم فاعل من أنكر ينكر إنكاراً، وهو ضد المعرفة؛ يقال: أنكرت الشيء إذا جهلته ولم تميزه بعد أن رأيته، ومنه قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَىٰ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ}.
وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ
الواو استئنافية لعرض فصل جديد من أحداث القصة، "جاء" فعل ماض، "إخوة" فاعل مرفوع بالضمة، "يوسف" مضاف إليه مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف للعلمية والعجمة.
فَدَخَلُوا عَلَيْهِ
الفاء عاطفة تفيد الترتيب والتعقيب، "دخلوا" فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل، "عليه" متعلق بـ "دخلوا".
فَعَرَفَهُمْ
الفاء عاطفة، "عرف" فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به والميم للجمع.
وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ
الواو حالية، "هم" ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ، "له" جار ومجرور متعلق بـ "منكرون"، "منكرون" خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية في محل نصب حال من إخوة يوسف.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الإيجاز الإعجازي في طي السنين والأحداث:
طوى النظم القرآني سبع سنوات الخصب العريضة بكل تفاصيل حصادها وخزنها، وطوى مجيء سنوات القحط، وانتقل مباشرة إلى اللحظة الحاسمة المشوقة: {وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ}؛ لأن العبرة المقصودة في بناء القصة هي تلاقي يوسف بإخوته وتصديق رؤياه الأولى.
المقابلة البديعة بين {فَعَرَفَهُمْ} و{وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ}:
مقابلة نفسية وبصرية هائلة؛ فعرفهُم هو على البديهة بيقين، بينما دخلوا هم في عمى تام عن حقيقته؛ وهذه المفارقة هي التي مكنت يوسف من تدبير خطته الحكيمة لاسترجاع أخيه بنيامين، واختبار توبتهم، ومكافأتهم على وجه يوقظ ضمائرهم دون أن ينتقم منهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة عدم معرفة الإخوة له رغم شبهه القديم:
استغرب بعض الملاحدة كيف لا يعرف عشرة رجال أخاهم الذي عاش معهم زمناً!
والجواب العقلي والتاريخي الساطع:
أن الصبي الصغير في سن العاشرة أو نحوها تتغير ملامحه تغيراً جذرياً عند بلوغ الأربعين؛ فاللحية، وتغير الصوت، وتقاسيم الوجه، ناهيك عن التاج الملكي والزي الفرعوني المصري ولغة التخاطب والمترجمين والحشم؛ مع استحالة الفكرة ذاتها في عقولهم؛ فالإنسان إذا أيقن بموت شخص أو هلاكه، لا يمكن أن يخطر بباله أن ملك مصر الجالس أمامه هو ذلك العبد المظلوم.
الجملة الاسمية في {وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ}:
العدول إلى الجملة الاسمية الدالة على الثبوت والاستقرار لبيان ثبات جهلهم به ورسوخ إنكارهم لشخصه طوال ذلك اللقاء، مما أتاح ليوسف عليه السلام كامل التحكم في مسار المحاورة دون ارتباك.
تقديم الجار والمجرور {لَهُ} على {مُنكِرُونَ}:
للاختصاص؛ أي إنكارهم منصب عليه هو بالذات؛ فهم يعرفون كل من حولهم ولكنهم يجهلون يوسف على وجه التعيين لغرابة المفارقة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
كمال الحلم والعفو عند المقدرة:
حين دخل أولئك الذين تآمروا على قتله وألقوه في غيابات الجب ورأى ذل حاجتهم وفقرهم بين يديه، لم يبادر يوسف إلى الانتقام، ولم يأمر بحبسهم أو تعذيبهم، بل ملك زمام نفسه واستعمل الحكمة والرحمة لمعالجة أدوائهم ورد كيدهم السابق إلى رشد وهداية.
سخرية الأقدار بالظالمين:
الإخوة الذين قالوا سابقاً: {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوْ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ}، دارت بهم الأيام وجاءوا صاغرين يطلبون صاع قمح من يد يوسف ذاته وهم لا يشعرون! وهذا يري العبد كيف يدور الفلك بالظالم حتى يذله الله أمام من ظلمه.