وصية الكبير لإخوته بالعودة إلى أبيهم وتلقينهم الحجة:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 218)مصدر غير محدد١٦/٢١٨ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك والسدي: قال كبيرهم لإخوته التسعة: {ارْجِعُوا إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ}؛ أي أخبروه بالواقع المشهود الذي عاينتموه بأعينكم من استخراج الصواع من وعائه، {وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا}؛ أي ما شهدنا عند العزيز ولا نشهد عندك الآن إلا بما رأيناه وشاهدناه عياناً من خروج صواع الملك من رحله، {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ}؛ أي حين أعطيناك الميثاق بحفظه لم نكن نعلم الغيب أنه سيقع منه هذا الفعل أو أنه سيُسرق منه أو يُدبر له أمر يغلبنا، وإنما التزمنا بحفظه مما يقع تحت طاقتنا وقدرتنا البشرية الظاهرة.
القراءات المتواترة في {سَرَقَ}:
قرأ الجمهور: {إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ} بفتح السين والراء مخففة، على إسناد الفعل إليه بحسب الظاهر المشهود في التفتيش.
وقرأ ابن عباس، وعكرمة، والضحاك، وابن محيصن، ورويت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه (وهي قراءة سبعية شاذة وتفسيرية معتبرة): {إِنَّ ابْنَكَ سُرِّقَ} بضم السين وكسر الراء وتشديدها مبنياً للمجهول؛ أي نُسب إلى السرقة واتُّهم بها ووُجد المتاع عنده، ولم يقطعوا بأنه سارق حقيقة بل حكوا ما رمي به.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
شَهِدْنَا
الشهادة: الإخبار بما رآه الإنسان أو علمه علماً قاطعاً لا مرية فيه.
لِلْغَيْبِ
الغيب: ما غاب عن الحواس ولم يُدرك بالعقل المجرد؛ وهو ما اختص الله بعلمه.
حَافِظِينَ
جمع حافظ، والمراد: عالمين محيطين بما سيقع في المستقبل من الأقدار.
ارْجِعُوا
فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
إِلَىٰ أَبِيكُمْ
متعلق بـ "ارجعوا"، وأبيكم مجرور بالياء والكاف مضاف إليه.
فَقُولُوا
الفاء عاطفة، "قولوا" فعل أمر والواو فاعل.
يَا أَبَانَا
تقدم إعرابها.
إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ
"إن" حرف ناسخ، "ابنك" اسمها منصوب والكاف مضاف إليه، وجملة "سرق" في محل رفع خبر إن، وجملة "يا أبانا..." مقول القول.
وَمَا شَهِدْنَا
الواو عاطفة أو حالية، "ما" نافية، "شهدنا" فعل ماض وفاعله.
إِلَّا
أداة حصر.
بِمَا عَلِمْنَا
الباء حرف جر، "ما" موصولة أو مصدرية، والجار والمجرور متعلق بـ "شهدنا".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النبرة التبريرية المليئة بالحزن والاعتذار:
أرشدهم كبيرهم إلى هذا الاعتذار الدقيق؛ فبدأوا بالصدمة: {إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ}، ولم يقولوا "أخونا" لنفي الصلة النفسية بهذا الجرم، ثم احترزوا فوراً لصدقهم: {وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا}، ثم اعتذروا عن عجزهم القدري: {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ}؛ فالإنسان يحفظ ظاهر الأمور ولا يعلم خفايا الأقدار.
الاحتراز الشرعي في الشهادة:
تقرير قاعدة أصولية كبرى في باب القضاء والشهادات: أن الشهادة إنما تبنى على العلم والظاهر المشهود: {إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة الكذب في الشهادة على بنيامين:
قد يقال: كيف يقولون "إن ابنك سرق" وهو لم يسرق، وهل شهدوا بالزور؟
والجواب القضائي والأصولي القاطع:
أنهم شهدوا بما عاينوه حساً وظاهراً من استخراج الصواع من وعائه بعد التفتيش؛ والقضاء في الدنيا إنما يجري على الظواهر والله يتولى السرائر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع» (متفق عليه)؛ فشهادتهم كانت مطابقة لظاهر ما رأوه بلا تعمد للكذب.
البلاغة في إضافة الابن إلى الأب {ابْنَكَ}:
إضافته إلى الأب دون أن يقولوا "أخانا" فيها بعدان:
التبرؤ من شائبة السرقة لئلا تلحقهم مذمتها.
تهييج عاطفة الأب المكلوم وتذكيره بأنه ولده الأثير الذي ضن به عليهم.
تقديم المعمول في {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ}:
لبيان أن اختصاص علم الغيب لله وحده، ونفي علم الغيب عن سائر البشر مهما بلغت مواثيقهم وحرصهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قواعد الشهادة والعدالة في الإسلام:
لا يحل لمسلم أن يشهد إلا بما يعلم علم يقين بمشاهدة أو سماع صحيح؛ قال بعض السلف: "لا تشهد إلا على ما تراه مثل ضوء الشمس".
عجز الإنسان أمام الغيب وأقدار الله:
المؤمن مهما خطط وتعهد بالأيمان، فإنه يظل عاجزاً عن دفع أقدار الله الغائبة، ولذلك وجب الاستثناء دائماً بمشيئة الله والتوكل عليه.