حقيقة التمكين الإلهي ليوسف في أرض مصر:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 158)مصدر غير محدد١٦/١٥٨ عن مجاهد والسدي وابن زيد قالوا: لما قال يوسف للملك: {اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ}، استجاب له الملك وولاه الخزائن، وعزله عما سواها، وألبسه تاج الملك وطوقه بخاتمه، وأعطاه سلطاناً نافذاً في سائر أرض مصر، فكان يتصرف فيها بالعدل والإحسان كيف شاء، ودانت له الرعية وأحبه أهل مصر حباً عظيماً.
معنى {يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ}:
قال ابن كثير (4/ 399)مصدر غير محدد٤/٣٩٩: «أي ينزل منها في أي مكان شاء، ويحكم فيها بما يراه مصلحة؛ بعد أن كان محبوساً في مضيق السجن لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فبدله الله بعد الضيق سعة، وبعد الهوان عزة، وبعد الرق ملكاً وسلطاناً».
التوجيه الإلهي: {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}:
قال القرطبي (9/ 216)مصدر غير محدد٩/٢١٦: «بين الله تعالى أن ما ناله يوسف ليس مجرد تدبير بشري، بل هو من فضل الله ورحمته التي يختص بها من يشاء من عباده المخلصين، وجزاء إحسانه في تقوى الله، والصبر على البلاء، والعفة عن محارم الله».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مَكَّنَّا
التمكين: جعل الشخص ذا مكنة وسلطان وقدرة على التصرف؛ وأصله من المكان والمكانة.
يَتَبَوَّأُ
التبوء: النزول والاستقرار في المكان واتخاذه مباءة ومنزلاً؛ مأخوذ من باء يبوء إذا رجع واستقر.
نُصِيبُ
من الإصابة؛ أصاب يصيب، أي نوصل رحمتنا وننزلها بمن نشاء.
الْمُحْسِنِينَ
جمع محسن، من الإحسان وهو الإتقان وبذل الخير ومراقبة الله في السر والعلن.
وَكَذَٰلِكَ
الواو استئنافية، الكاف حرف تشبيه وجر، "ذا" اسم إشارة في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف مفعول مطلق نائب عن المصدر، تقديره: تمكيناً مثل ذلك التمكين مكنا ليوسف. واللام للبعد والكاف للخطاب.
مَكَّنَّا
فعل ماض مبني على السكون، و"نا" ضمير متصل فاعل.
لِيُوسُفَ
جار ومجرور متعلق بـ "مكنا"، واللام لتقوية التعدية.
فِي الْأَرْضِ
جار ومجرور متعلق بـ "مكنا".
يَتَبَوَّأُ مِنْهَا
فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هو، "منها" متعلق بـ "يتبوأ"، والجملة الفعلية في محل نصب حال من يوسف.
حَيْثُ يَشَاءُ
"حيث" ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب متعلق بـ "يتبوأ"، وجملة "يشاء" في محل جر بالإضافة لـ "حيث".
نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا
فعل مضارع مرفوع والفاعل نحن، "برحمتنا" جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ "نصيب".
مَن نَّشَاءُ
"من" اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به، وجملة "نشاء" صلة الموصول.
وَلَا نُضِيعُ
الواو عاطفة، "لا" نافية، "نضيع" فعل مضارع مرفوع والفاعل نحن.
أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
"أجر" مفعول به منصوب، "المحسنين" مضاف إليه مجرور بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إرجاع الفضل إلى الفاعل الحقيقي سبحانه:
بعد أن ذكر السياق سعي يوسف وطلبه: {اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ}، عقّب الله مباشرة بقوله: {وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ}، لينبه العباد إلى أن الأسباب وإن كانت مشروعة ومطلوبة، إلا أن المسبب والممكن الحقيقي هو الله وحده بنفاذ مشيئته وقدرته.
التناظر مع موضع التمكين الأول:
تكرر قوله: {وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ} في الآية (21) حين اشتراه العزيز، والآن يتكرر التمكين ولكن بصورة أعظم وأكمل؛ فالأول كان تمكيناً لتربيته ونجاته من القتل، والثاني تمكين السيادة والحكم والرئاسة العامة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة نسبة الفضل إلى الحظوظ والمصادفات:
قد يفسر مادي ملحد قصة يوسف بأنها مجرد سلسلة من المصادفات التاريخية وتقلبات السياسة؛ وترد الآية هذا الوهم رداً عقلياً حاسماً: {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}؛ فالكون محكوم برعاية إلهية عليا تزن الأعمال بميزان الإحسان والعدل، وتجازي على الصبر والعفة بأعظم مما يتصوره البشر.
إطلاق المشيئة في {يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ}:
تعبير بالغ الروعة يصور تمام الحرية والسيادة؛ فالأرض التي دخلها بالأمس أسيراً مقيداً يُباع ويُشترى، أصبحت اليوم بأسرها مفتوحة الأرجاء أمامه، يحل منها حيث شاء، ويأمر فيها بما شاء.
الالتفات إلى ضمير العظمة {نُصِيبُ} و{لَا نُضِيعُ}:
التفات من الغيبة إلى التكلم المفيد للعظمة والرحمة؛ لتقرير أن جزاء المحسنين محفوظ بحفظ الله المباشر ورعايته التي لا يغيب عنها عمل صالح.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قانون الإحسان وسنة عدم إضاعة الأجر:
كل عمل يتقنه العبد ويحسن فيه لوجه الله، في عبادته أو في تدبير شؤون الناس، لن يذهب هباءً؛ فإن أبطأ الجزاء في عاجل الأمر فهو قادم لا محالة في أوانه المقدر: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}.
شكر النعمة بالاستقامة والعدل:
التمكين في الأرض أمانة ثقيلة تتطلب المزيد من الإحسان إلى الخلق وإقامة موازين القسط؛ ويوسف عليه السلام ضرب النموذج الأسمى للحاكم الرباني الذي لم تبطره النعمة ولم يستبد بالسلطة.